تأثرت الأعمال كثيراً بسبب خطر فيروس كورونا المستجد، فمعظم دول العالم تمر حالياً بفترة عصيبة تفاوتت فيها ردود الأفعال، ومن الملاحظ أن هناك توافقاً في إجراء مشترك، وهو التقليل قدر الإمكان من التجمعات والحركة، ولعل أوضح أوقات الاختلاط والاجتماعات هي ساعات العمل والدراسة، فلجأت المؤسسات الحكومية والخاصة والمعاهد التعليمية إلى تجربة العمل والدراسة عن بُعد، وهذه الفكرة ليست وليدة اللحظة، بل كانت على طاولة البحث والتجربة والتقييم، بل والتطبيق الجزئي أحياناً، ولكن خطورة انتشار الفيروس أرغمت المؤسسات على خوض التجربة بكل ما أوتيت من قوة رغم تباين درجات الاستعداد، والحمد لله، كانت دول مجلس التعاون الخليجي سباقة في هذا الصدد، وذلك لتطور البنية التحتية لتقنية المعلومات والاتصالات، فجميع هذه الدول تبنت تقنية الجيل الرابع، بل وتخطت التجارب المبدئية لشبكة الجيل الخامس لشبكات الاتصالات، وبدأت بالتطبيق الفعلي لها، كما ساهم تطوير المواقع الإلكترونية والتطبيقات الذكية على تسهيل إدارة الأعمال واستمراريتها وخدمة العملاء وما كان ذلك ممكناً إلا نتيجة للاستراتيجيات الواضحة التي وضعتها الحكومات وتتابع تطبيقها بجدية، وبقراءة متأنية لرؤية دولة الإمارات العربية المتحدة 2021 أو رؤية المملكة العربية السعودية 2030 على سبيل المثال يسهل علينا إدراك ذلك.
وسؤالنا اليوم، كيف ستدار الأعمال بعد انجلاء خطر «كورونا»، وهل ستعود الإدارة إلى عهدها القديم؟ 
ما أود التطرق إليه هو أن العمل عن بُعد مر بتجربة حقيقية لا يصح أن نغفلها بعد انتهاء الأزمة، بل علينا أن نعيد تقييمها والاستفادة منها في الظروف الطبيعية، بعد وضع الضوابط اللازمة، وذلك سيؤدي حتماً إلى مراجعة المساحات الشاسعة لمكاتبنا وتقليص قاعات الاجتماعات، والاعتماد على التقنيات الحديثة في إدارة الاجتماعات، كما سيقودنا التعود على استخدام وسائل الاتصال المرئي، والاجتماع الافتراضي إلى الحد من السفر والتنقل لعقد الاجتماعات، وحضور المؤتمرات المحلية والعالمية قدر الإمكان، وحول هذا الموضوع أود أن أنوه لكل من استثمر ،أو يواصل الاستثمار في أجهزة مراقبة، ورصد حضور وانصراف الموظفين أن يوفر جهده وماله، وأن ينتقل إلى مراقبة الإنتاجية عن طريق تحليل الكم والكيف باستخدام أحدث الطرق في قياس الأداء، وتحقيق الأهداف. 
لاتزال الكثير من المؤسسات الخدمية الحكومية والخاصة تحتفظ بمراكز خدمة العملاء ومراكز الاتصال، وسنلاحظ في المستقبل الانتقال بخطى أسرع للتطبيقات الذكية، بل وقبل ذلك دراسة الخدمات المقدمة والعمليات المرتبطة بتقديمها، والحاجة إلى مراجعة التشريعات الخاصة بهذه الخدمات وشروطها على العميل والاستبدال بالخدمات الاستباقية، فعلى المؤسسات الحكومية والشركات الكبيرة مراجعة عملياتها بما يضمن لها المرونة.
لن يكون هناك تحسن كبير في طريقة إدارة الأعمال مستقبلاً إلا بعد بناء منظومة بيانات ضخمة (Big Data)، ويجب ألا يقتصر الاستثمار في بناء معمارية بيانات صحيحة على شركات الاتصالات، نظراً لإمكانياتها المالية والتقنية، بل يجب على الجهات الحكومية والشركات الكبيرة الاستثمار في هذا المجال، لأن ذلك هو الطريق الوحيد للاستفادة من الذكاء الاصطناعي استفادة قصوى، وكل ما ذكر آنفاً سيقود حتماً إلى إعادة النظر في دراسة تخطيط القوى العاملة وثقل الأعمال والهيكل التنظيمي للمؤسسة، بناءً على المعطيات الجديدة ومتطلبات المرحلة القادمة.
يتحتم علينا مراجعة قوانين وتشريعات العمل والموارد البشرية بشكل جذري، بما يتناسب مع التطورات الحديثة، فكثير من هذه القوانين قد أعدت في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وبها الكثير من القصور، بما لا يواكب التطور في إدارة الأعمال والنمو الاقتصادي الذي تعيشه مجتمعاتنا، فعلينا على سبيل المثال إعادة النظر في طريقة التعاقد التقليدية، ومراجعة التشريعات واللوائح لتشمل العمل عن بُعد، كلياً أو جزئياً، والعمل الجزئي (Part Time)، والعمل في مشروع، والعمل للحساب الخاص (Freelance)، ووضع الضوابط اللازمة، كما أن علينا مراجعة احتياجاتنا المستقبلية من المواهب والكفاءات والتنسيق القوي والمستمر مع الجامعات والمؤسسات التعليمية لتقوم بدراسة متطلبات سوق العمل من التخصصات الدراسية ومراجعة المناهج لتجهيز الكفاءات المطلوبة، وتوجيه الجيل الجديد للتخصصات النادرة في السوق المحلي.

 مستشار موارد بشرية