بمشاركة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، استضاف مجلس محمد بن زايد ضمن سلسلة المحاضرات الرمضانية، محاضرة تحت عنوان «بقيمنا نمضي نحو المستقبل» قدمها، عن بُعد، الدكتور عمر حبتور الدرعي المدير التنفيذي للشؤون الإسلامية في الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف تناول خلالها قيم الخير والعطاء والتعاون والتراحم والأخوة والتفاؤل التي لا تتغير على مر الأزمان والتي تعين المجتمعات على مواجهة التحديات والظروف، بجانب دروس الطاعة والعبادة في أجواء أسرية نتعلمها من شهر رمضان المبارك هذا العام وهو يهل علينا في ظروف استثنائية لم نعتدها.
وشارك صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بمداخلة عن بُعد في المحاضرة التي تبث على قناة الإمارات وقناة محمد بن زايد على «اليوتيوب».. وذلك توافقاً مع الإجراءات الاحترازية التي تنفذها الدولة وجهودها في مكافحة فيروس «كورونا المستجد» (كورونا - 19).
وينظم مجلس محمد بن زايد محاضرته الأولى في حلته الجديدة هذا العام وفي شكل جديد يحافظ على ما اعتاده من التواصل خلال الأعوام الماضية. فيما تأتي المحاضرة في إطار استحضار قيم الدين الإسلامي الخالدة والمعاني الراسخة في ثقافتنا الوطنية لمواجهة التحدي والمضي نحو المستقبل، مستلهمين العبر من تجارب سابقة خاضها مجتمع الإمارات واجتازها بقوة وثقة ويقين.. فيما شهدت المحاضرة تفاعلاً بين المشاركين والمحاضر أثرى النقاش والحوار ومحاور اللقاء.
وقال الدرعي، في بداية المحاضرة، إن شهر رمضان يعود علينا هذا العام ونحن في ظروف لم نعتدها.. ليعلمنا من مدرسته العامرة بالقيم.. درس الطاعة والعبادة في أجواء أسرية مفعمة بالسكينة.. فإحياء رمضان من بيوتنا هو إحياء للأنفس.. ونؤمن بأن بقاءنا في بيوتنا هذا العام فيه بقاء الأجور واستمرار الثواب.. ليصبح كل بيت حصانة وسلامة ومحراب تراويح وجلسات قرآن وتسبيح ومجالس علم وذكر وروضة من رياض الجنة في الدنيا.
وأضاف أن «لدينا قيماً خالدة نستقيھا من إِرث والدنا الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه.. نحمل راية قيمه في هذه الظروف لنستبصر ببصيرة إرثه الحافل.. فقد علمنا أن نقوم في كل موقف بواجبنا.. وأن يكون كل مواطن ومقيم على تراب هذا الوطن.. عاملاً من موقعه في خط الدفاع الأول.. فيقوم الطبيب بدوره ويسهم العالم بمعرفته والفنان بفنونه والمتطوع بتطوعه والموظف بوظيفته والمرأة بعطائها والطالب بتعلمه ليظل وطننا وطنا لا تغيب عنه الشمس بتفاؤله وعطائه».
وعرض مقطع فيديو للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في حديثه عن القيم التي يجب أن يتحلى بها المجتمع. وقال «سنستعين بالتاريخ لأن التاريخ يعيد نفسه ليروي لنا رواية القيم التي لا تتبدل.. ولا تتغير فصول تلك الرواية فتأخذنا إلى خلاصة واحدة، وهي أن الأزمات مختبرات معادن الرجال وقيم المجتمعات».
وأشار الدكتور عمر الدرعي إلى أن التاريخ يعود بنا في منطقة الخليج العربي إلى ما قبل مائة عام عندما شهدت هذه المنطقة وباء «سنة الرحمة» أطلقوا عليه ذلك الاسم تفاؤلا برحمة الله والتراحم بين عباده، مشيراً إلى الأوبئة، التي ألمت بأهل الإمارات في ذلك الزمن. لكن إرث الأولين وخبر الأجداد المؤسسين قال لنا «تجاوزنا الصعاب من أجلكم مع قلة ذات اليد فتجاوزوا أنتم من أجل أحفادكم.. فهذه أسباب تجاوز الأزمة بين أيديكم».
وأضاف أن «هذا الوباء سيختفي، بإذن الله، وتبقى قيم الخير والعطاء والتفاؤل والأمل والاستعداد وصناعة المستقبل والأخوة الإنسانية وسنعمل من أجل بقائنا»، مستشهداً بعدد من القصص التاريخية والدينية للأنبياء والرسل في هذا السياق والحوادث التي شهدها التاريخ الإسلامي.
وقال الدكتور عمر الدرعي «إن تعاليم ديننا الإسلامي بصورته الحقيقية تعزز قيم الرحمة ونستمد منها خمسة أسس أساسية في ظل هذه الظروف التي نعيشها والعالم:
أولها أنها كرمت البشرية وجعلتها في مقام التقدير. فكل ما يهدد الأنفس من الخطر والضرر والهلاك، ويحول بينها وبين السلامة، فهو ينافي الأديان وتعاليمها. فصحة الأبدان من أعظم المقاصد.
والأساس الثاني أن قول الأطباء أهل الاختصاص هو المعتبر والمرجع لأنهم أهل الخبرة والعلم والمعرفة. فالحكم الشرعي لأحكام هذا الوباء يبنى على رأي الجهات الطبية ويرجع إليها ويعتمد عليها. وديننا الحنيف يدعونا إلى تحكيم العلم ويشجع الذين يسعون جاهدين إلى إنقاذ البشرية وإيجاد الدواء الذي يترقبه العالم أجمع.
والأساس الثالث: الالتزام بالتعليمات والتوجيهات الصادرة من الجهات المختصة واجب شرعي على كل فرد لأن في التقيد بهذه التعليمات حفظ النفوس سواء حفظ نفس الإنسان أو نفوس الآخرين.
والأساس الرابع هو سماحة الدين ويسر تعاليمه، وهناك العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تؤكد ذلك وتحث عليه.
وخامس الأسس، أن بوصلة الخطاب الديني في مثل هذه الظروف هو غرس السكينة والطمأنينة والتفاؤل والإيجابية وهذا منهج قرآني يوجهنا إلى الأخذ به ربنا تبارك وتعالى في آياته».
وحول كيفية جعل التطوع وقت الأزمات قيمة مجتمعية فاعلة، قال المدير التنفيذي للشؤون الإسلامية في الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، إن التطوع في الأزمات يعني الكثير وينبغي أن يكون خيارنا جميعاً، فهو يظهر تلاحم الدول ووعي الأفراد وفاعلية المؤسسات خلال هذه الظروف ويكون من خلال المبادرة والتعاون والتآلف والتكاتف بين أفراد المجتمع كافة ومؤسساته لبذل الجهد والوقت والمال ومختلف أشكال الدعم لخدمة المجتمع ومساعدته على تجاوز التحدي الذي يواجهه.
وفي ختام المحاضرة، أثنى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان على اختيار المحاضر الدكتور عمر الدرعي لموضوع المحاضرة وعنوانها «بقيمنا نمضي نحو المستقبل»، مشيراً إلى أنه من الشباب والكوادر الوطنية التي نفخر بها ونراهن عليها في دولة الإمارات في هذا المجال بجانب بقية إخوانه الذين يحافظون على هويتهم الوطنية وقيمهم الأصيلة.
وقال سموه، في بداية مداخلته، «السلام عليكم.. أحييك وأحيي إخواني وأخواتي المشاهدين.. وأقول لكم مبارك عليك هذا الشهر الكريم.. جعله الله شهر خير وبركة على الجميع.. في الحقيقة، لفت انتباهي عنوان المحاضرة.. (بقيمنا نمضي للمستقبل) والشرح يطول في هذه المسألة خاصة نحن والعالم.. نعيش تحدياً.. وكي نتجاوز هذا التحدي لابد أن يتلازم الإيمان والعمل معاً.. الإيمان بقيمنا الإسلامية والعمل بها.. والتزود بالعلم الحديث والمعرفة..هو طريقنا إلى المستقبل».
وأكد سموه، في مداخلته، أن القيم والأخلاق لها دور جوهري في المجتمع في الأوقات والظروف كافة.. وهذا ما تجلى في شعب الإمارات والمقيمين على أرضها خلال هذه المرحلة.. فكيف ترى دورها في التنمية المستدامة وحفظ الاستقرار في مجتمع الإمارات؟. فقال الدرعي في رده على مداخلة سموه «إن الناس في الرخاء سواء وإذا حصلت الأزمات والشدة تباينوا.. فإذا كان الإنسان متشبثاً بقيمه وأخلاقه في الرخاء، فإنه يمارسها ويطاوعها وقت الشدة، فيكون معطاء ونافعاً لبلده ومستجيباً لنداء الفطرة الإنسانية والأخوة مع جميع الخلق. فمن خلال التمسك بالقيم وجعلها عنوانا لحياة الإنسان، يستطيع أن يراقب الله عز وجل وأن يؤدي أعماله بكل أمانة وإخلاص وإتقانٍ في ظل الرقابة. وحتى إذا لم تكن هناك رقابة في بيته وعمله ومقاعد الدراسة، فالقيم هي الحاكمة لحياة الإنسان في كل تصرفاته ولها مكانة رفيعة للخلق».
وشكر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان المحاضر على ما قدم من معلومات وأفكار جميلة. وقال «بالفعل، هذا الشهر هو شهر الصبر وتحمل المشاق ومواجهة التحديات.. شهر يلهمنا العمل والعزيمة والإرادة في تحقيق أهدافنا.. شهر فيه البذل والعطاء لخير البشرية. فعلينا استثماره لما ينفع الناس ويرسم البسمة على وجوههم».
وأضاف سموه «اسمحوا لي أن أوجه كل التحية والتقدير إلى كل من يعمل لأجل سلامة هذا الوطن وصحة المواطنين والمقيمين.. نفخر بهم جميعاً ولا نفرق بينهم في عطائهم وفي حبهم لهذه الدولة».
وشارك في المحاضرة عن بُعد، سمو الشيخ طحنون بن محمد آل نهيان ممثل الحاكم في منطقة العين، ومعالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التسامح، وسعادة الدكتور محمد مطر الكعبي رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، وسعادة الدكتور حمدان مسلم المزروعي مستشار في ديوان ولي عهد أبوظبي، وسعادة حمد بن سهيل الخييلي.
وفي مداخلة لمعالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التسامح، قال فيها إن للتسامح حضوراً وأهمية في دولة الإمارات، فكيف نراه خلال الظروف الراهنة. وأجاب الدكتور عمر الدرعي بأن التسامح واجب وضرورة إنسانية وفريضة دينية فجميع الأنبياء تعاقبوا من أجل أمرين اثنين: إعمار الأرض وإقامة الفرض للحفاظ على جوهر الإنسان. فإذا تحدثنا عن التسامح، فإننا نتحدث عن الإنسان.. ودولة الإمارات استطاعت أن تنجح في إرساء قيمة التسامح؛ بفضل توجيهات قيادتها وجهودها المستنيرة ومبادراتها الحثيثة المستنيرة في هذا الشأن..على ثلاثة مستويات مهمة: الأول التضامن الإنساني مع شعوب العالم، والثاني مستوى القيادات الدينية تحت مظلة وزارة التسامح التي استطاعت أن تتكاتف وتكون مرجعية لجميع أتباعها في الالتزام الوطني بإجراءات الدولة، والمستوى الثالث هو الأفراد فقد صهروا أعراقهم وجنسياتهم وأديانهم في جهد واحد وهو خدمة هذا الوطن من أطباء وممرضين ومسؤولين وغيرهم.
وفي إجابته عن مداخلة سعادة الدكتور محمد مطر الكعبي رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية التي، قال خلالها «إن الأزمة التي تعصف بالعالم تجلت خلالها العديد من القيم الإنسانية التي تصدت لها.. وديننا الإسلامي دين قيم يرسخ هذه المعاني فكيف ترون قيم دين الرحمة في تجاوز هذه الأزمة؟»، قال الدرعي، إن الإيمان بقيم دين الرحمة له ثمرات عديدة، من أبرزها في هذه الأزمة أن إيماننا بقيم دين الرحمة يرسخ لنا أن هذه الأوبئة ليست انتقاماً من الله عز وجل، فهو سبحانه الرحيم بخلقه والكريم مع البشرية، وإنما يرسلها ليتعلم الإنسان منها الدروس، ويجعلها محفزاً ومحركاً من أجل أن يمضي إلى المستقبل بكل تفاؤل وعمل وتفان ويستفيد من هذه الدروس لتكون عوناً له في تجاوز العقبات التي تواجهه في المستقبل. والأمر الآخر، أن هذه الأوبئة ليست عقوبة من الله عز وجل. فالصحابة الكرام، الذين رضي الله عنهم، أصيبوا بوباء أسفر عن وفاة حوالي 25 ألف صحابي. ولم يفسر العلماء، في تلك الفترة، أن الأمر عقوبة من الله عز وجل بل أدركوا الحكمة الربانية في أن الله عز وجل يريد من خلقه الخير. كما أن قيم دين الرحمة في مثل هذه الظروف تؤكد أن الإنسان الذي يكون في الصفوف الأمامية مدافعا عن وطنه مثل الحريص على أن يكون في الصفوف الأمامية في المساجد بل إن الذين يعملون في الخط الأمامي في مواجهة الوباء أجرهم أعظم عند الله عز وجل لأنهم يحييون النفس البشرية.
وفي مداخلة لسعادة الدكتور حمدان مسلم المزروعي مستشار في ديوان ولي عهد أبوظبي، قال إن المتتبع لمبادرات دولة الإمارات الكثيرة، يدرك أنها أسهمت في إرساء القيم الإنسانية.. فكيف ترون أثر تلك المبادرات في مجتمع الإمارات خلال هذه الظروف؟ قال المحاضر، إن مبادرات دولة الإمارات ينظر إليها العالم بكل إكبار وفخر، فهي لديها أسلوب ريادي مبتكر في إدارة المشاريع الوطنية وتوحيد الجهود المؤسسية من أجل تلك المبادرات. فمثلاً 2015 كان عاماً للابتكار من أجل تحفيز الكوادر الوطنية ورفدها بالتفكير المنهجي لعملية الابتكار. لذلك، نجد أن خدماتنا اليوم في كل القطاعات الحيوية الأساسية متوفرة من خلال البدائل التي جرى استخدامها. وفي 2016، كان عاماً للقراءة فبالعلم والمعرفة تبنى الأمم وتشاد الحضارات ويمكن للناس أن يقدموا النفع للبشرية من خلال التزود بالمعارف والعلوم. ثم جاء 2017 عام الخير الذي تربينا عليه والإحسان إلى الإنسانية جمعاء والذي لايزال حاضراً بقوة من خلال مواقف أبناء الإمارات المشرفة خلال هذه الأزمة. ثم جاء عام زايد 2018 الرمز الإماراتي والإنساني الخالد الذي مازالت قيمه وحكمه نبراساً وملهماً لنا. ثم عام التسامح 2019. ونحن الآن عام الاستعداد للخمسين لنرسخ تلك القيم الأساسية والمحاور ونجعلها رصيدنا للمضي قدما بكل قوة وإصرار نحو المستقبل.
وفي رده على سؤال: كيف نجعل بيوتنا أكثر سعادة واستقراراً؟، دعا الدرعي إلى أهمية بث روح الطمأنينة والسكينة في نفوس أفراد الأسرة جميعاً خاصة كبار المواطنين والاهتمام برعايتهم وطمأنتهم. إضافة إلى الإيجابية والتفاؤل والثقة بالله تعالى بأن هذه المرحلة بإذنه ستمضي والتوجه إلى المولى عزو جل لرفع البلاء والوباء عن عباده.
ودعا الدرعي، في ختام محاضرته، إلى المحافظة على حياة الإِنسان والعمل من أَجل الحضارة والعمران والحفاظ على مقدرات ومكتسبات الأوطان، متوجها إلى الله عز وجل أن يجعل شهر رمضان المبارك فرجا وشفاء للإنسانية جمعاء، وأن يوفق الأطباء والعلماء في إيجاد علاجات لهذا الوباء.