أبوظبي(الاتحاد)

قال المفكر الأميركي الشهير البروفيسور جوزيف ناي، مساعد وزير الدفاع الأميركي السابق لشؤون الأمن الدولي والرئيس السابق لمجلس الاستخبارات الوطني، إن استجابة الولايات المتحدة والصين للوباء، وإن هذه الاستجابة مثالٌ على إخفاق أخلاقي في السياسة الدولية، وإن الصين  ليست دولة عظمى، وإن العولمة الاقتصادية تشهد انتكاسة.
جاء ذلك خلال حلقة نقاشية عن بُعْد تحت عنوان «أزمة كورونا والتحولات الجيواستراتيجية العالمية المحتملة» عَقَدَها مركز الإمارات للسياسات أمس الأول، وكان المتحدث الرئيس فيها ناي. وأدار الحلقة الدكتور زيد عيادات، أستاذ العلوم السياسية والمختص بنظرية المباريات في تحليل السياسات الدولية.  
افتتحت الدكتورة ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات الحلقة النقاشية التي بُثَّت مباشرةً على حساب المركز في منصَّات التواصل الاجتماعي المختلفة، بالإشارة إلى انشغال الخبراء اليوم بالتنبؤ بما سينتج عن جائحة «كورونا» من تحولات على صعيد القوة في العالم، وطبيعة النظام الدولي، لاسيما في ظل التنافس الراهن بين القوى الكبرى، وبالذات بين الولايات المتحدة والصين. 
وأوضحت الدكتورة الكتبي، أن جائحة كورونا تمثل «صدمةً استراتيجية» للعالم، مُشيرةً إلى أن فهم ما يجري اليوم من تداعيات لهذه الجائحة سيُمكِننا من توقع واستشراف التحولات الجيواستراتيجية التي قد تنتج عنها. 
تحدَّث البروفيسور ناي عن التحدي الذي مثَّلته جائحة كورونا بالنسبة لسياسات القوى العالمية وتوجهاتها الاستراتيجية، وكيف أشعلت هذه الجائحة النقاش مجدداً حول مبدأ/‏‏‏‏فكرة المصالح الوطنية وأهمية الدفاع عنها، لكن السؤال الحقيقي يكمُن في الكيفية التي نُعرِّف بها هذه المصالح، والتي من الواضح أن تعريفها اليوم يجب أن يتخطى الحدود النفعية الضيقة للدول إلى المصالح المشتركة للدول أو المصالح العالمية. وأكد أن وباء كورونا هو تأكيد على أن مصالح الدول اليوم لا تتحقق بمعزل عن مصالح الدول الأخرى، إذ تشترك دول العالم جميعها في مواجهة التهديدات الناجمة عن الأزمات العابرة للحدود، مثل الأوبئة والتغير المناخي.
وأضاف ناي إلى أنه إذا كان من الطبيعي أن تتنافس القوى الكبرى، إلا أن ما يتعين علينا تعلُّمه هو أن بإمكان هذه القوى التنافس والتعاون في آن واحد، وتحدَّث في هذا الإطار عن شعوره بخيبة أمل تجاه استجابة الولايات المتحدة والصين للوباء، وأن هذه الاستجابة مثالٌ على إخفاق أخلاقي في السياسة الدولية. وأوضح أن ما يجب أن يراه العالم من الولايات المتحدة والصين هو العمل إلى جانب آخرين مثل أوروبا لوضع خطة على غرار «خطة مارشال» موجهة نحو الدول الفقيرة لمواجهة هذا الوباء الجديد.  وفي معرض حديثه عن مستقبل العولمة نتيجة أزمة فيروس كورونا، رأى البروفيسور ناي أن العولمة الاقتصادية بلغت ذروتها قبل الأزمة، إلاّ أنه كانت هناك جهود من قِبَل الولايات المتحدة ودول أخرى للحد من التكامل الاقتصادي كما ظهر ذلك فيما يُسمّى اليوم بـ«الحروب التجارية». ومع ذلك، فإن ما سماه «العولمة البيئية»، مثل الأوبئة وتغيّر المناخ، تخضع لقوانين الفيزياء والبيولوجيا وليس لقوانين السياسة. ورفض ناي التحليلات التي تؤكد موت العولمة، قائلاً إن العولمة تعرَّضت لانتكاسة؛ إذ نشهد تراجعاً في العولمة الاقتصادية، ولكن ثمة عولمة بيئية أكبر ظهرت نتيجة هذه الأزمة.
مثَّل تقييم الوضع الراهن للقوة وتوزيعها على الصعيد العالمي أحد محاور النقاش مع البروفيسور ناي، وبعد استعراض تعريفاته بشأن القوة وتمثلاتها الصلبة والناعمة والذكية والحادة، أكد ناي أن هناك مبالغة كبيرة في تقدير قوة الصين، فهي ليست قوة عظمة، وعلى الرغم من أنها حقَّقت تقدماً كبيراً في المجال الاقتصادي، إلا أنها لم تتجاوز الولايات المتحدة فيما يتعلق بالقوة الشاملة، والتي تشمل القوة العسكرية والناعمة. وحتى في المجال الاقتصادي فإن معدلات النمو الاقتصادي المرتفع للصين قد ولّت.
وحول تقييمه لوضع روسيا على خارطة القوة العالمية، أفاد ناي بأنها تحاول أيضاً منافسة الولايات المتحدة في مجال القوة العالمية، لكن روسيا تعاني من اقتصاد غير متوازن على نحو غريب؛ فثُلثا صادراتها يعتمد على النفط والغاز. وإذا ما أرادت روسيا تحقيق النجاح فإن السر الحقيقي - بحسب رأي ناي - يكمُن فيما إذا كان بوسع موسكو تحويل نفسها إلى اقتصاد عالمي، وهذا ما لا نراه اليوم.