قال لي صديق شاعر، وكان صوته يشبه الصرخة المكتومة في أعماق الجرح: أنت واهمة يا صديقتي فلم يعد ثمة دور للشاعر في هذا العصر! صمتُّ برهة، ثم سألته عما يعني بالدور، وهل إن هذا الحكم صادر عن خيبة فرشت ظلها على أرواح الشعراء، أم أنه صادر عن حقائق موضوعية؟.
ولم يتركني لتساؤلي، إذ استطرد بنبرة مشوبة بالغضب والسخرية: سنوات طويلة لُقنّا أن للشعر دوراً وللثقافة رسالة اجتماعية، وكنا نردد بوعي زائف: وظيفة الشعر، وظيفة الأدب، وظيفة المسرح. وها نحن اليوم نكتشف خواء ذلك الوهم الذي ارتهنّا له. صمتَ فجأة. وراح يرتب في حركة اضطراب، الصحف والأوراق المتناثرة على طاولة مكتبي. ثم هتف: إن جريرة ذلك الوهم تكمن فيما خلفه في نفس الشاعر من إحساس مبالغ فيه بأهمية دوره. وأنه معني بتطوير المجتمعات. وتلك المبالغة جعلت منه إنساناً أحادي الرؤية والفعل. والآن ها أنتِ ترين كم هو مهمّش ومعوز ومضنى بلقمة العيش هذا الشاعر، وكم هي رخيصة بضاعة الكلام!
قلتُ: اعذرني، لكن هذا الكلام ليس صحيحاً تماماً، فثمة شعراء وأدباء يعيشون بارتياح وبذخ، وقد استحقوا ذلك لما أبدعوه. قاطعني فوراً: بلى لكنهم بضعة رموز حظيت لاعتبارات عديدة كتميز الشاعر بمديح! قلت: إذن ثمة أسباب يحظى بها الشاعر بالاعتبار، كالزمان والمكان والتاريخ وقوة الإبداع. فالأمر يعود إلى نسبية الرؤية الاجتماعية للشاعر. ثم ألا ترى أنه ما من مجتمع بشري عبر كل العصور والتحولات، خلا من المثقف والمبدع والمداح، أيضاً، ما من شاعر حقيقي، سلم من التهميش. والسبب يكمن فيما ذكرتهُ أنت، وما أسميته بوهْم المثقف. والواقع أن ذلك الإحساس ليس وهماً، بل حلم عظيم قاد البشرية وعلّمها قيم الخير والنبل والعدل. صمتُّ لحظة واستطردتُ بنبرة الواثق، بينما ظلت ابتسامة ساخرة تلوح على محيا محدثي: إن الشعر والثقافة منتج عالي القيمة يا صاحبي، وسيظل المثقف يبدع، والمفكر يضنيه البحث، والروائي يشهد على عصره، والشاعر يغني أحلام الإنسان وطموحاته، فيما هو مشغول بالبحث عن أسباب عيشه وحق وجوده. وعندما لن تستطيع الكتابة أن تمنحنا خبزاً كريماً، فإننا سوف نمتهن وظائف أخرى نعتاش بها! سنظل نكتب يا صاحبي لأن الشعر هو التعبير عن ذواتنا الحقيقية، وفلسفة وجودنا ورؤانا. وإذا كانت لقمة العيش مضنية، فإن الكتابة أشد ضنى لأنها ألقُ الروح. وحتى لو كنت في فقر ووحشة ستظل تكتب أشعارك لتجعل من الوحشة أنساً، ومن الفقر غنى!