بعض المدن تكون قد ارتبطت بها في فترة زمنية معينة، وكنت دائم التردد عليها، حتى تلصق بك صفة عاشق تلك المدينة أو كما يقول الهنود «بومبي وَالا» والأسباب كثيرة، وفجأة ينقطع بك الحال، وتتحول إلى جهات مختلفة  بعيدة وقريبة، غير أن تلك المدن التي كانت ذات الإقامة شبه الدائمة تحضر بين الحين والحين، لكنك لا تعتزم  أن تشد لها الرحال، وهكذا تمضي السنون، وإذا بك تكتشف أن المسافة تتعدى العشرين عاماً أو يزيد، فتعود لها لتعيد لذكرياتك حيويتها، وماذا بقي منها فيك، وفي ذاكرتك، كثيرة هي تلك المدن؛ مدريد مثلاً، لندن، إسطنبول، بومبي، فتكون فجأة الزيارة الجديدة من أجل أن تعود.. لتتذكر، خاصة حين تحلّ على مدينة بين وداعها بالأمس، ولقائها اليوم تقضت خمس وعشرون سنة، يصعب اللقاء الجديد، وتسحبك إلى قاع ذكرياتها القديمة، وتلزمك بصمتها المجبر عليه، فتغدو كناسك ملّ من كل شيء إلا السكينة والهدوء، ومحاورة النفس.. هكذا هي «بومبي» التي عرفتها منذ أواخر السبعينيات، ولعشر سنوات ويزيد متتالية، وها هي «مومباي» التي لا أعرفها، تغير كل شيء حتى اسمها، لكن ما إن تبدأ أول خطواتك في طرقها الجديدة، تجرك الأسفار الأولى إلى مكامن الفرح، واللقاءات الجميلة، هنا تذوقت أكلة «برياني حيدر بادي» لا تزال نكهته، ورائحته في الأنف، وما زال طعمه في الحلق، في ذاك المطعم الذي شاخ كثيراً تعرفت لأول مرة على تلك الخبزة الطريّة اللينة «رمالي روتي»، بحيث لم تجدها إلا في تلك المدينة الضاجّة بكل شيء، وفي ذلك المطعم «دلهي دربار» الذي شاخ كثيراً، تتذكر بحزن ذلك الحي الفقير حد وجع العظم «سانتا كروز»، حين أجبرك فجر متأخر أن تستقبل صباحك بفنجان شاي بالحليب، خليط بالزعفران، قليل الماء «تشاي دود.. باني كمتي»، وظلت مشاركة الناس البسطاء متعة فطورهم في صحن نحاسي تحمله بين يديك على دكة إسمنتية قاسية، تمتد الخطى باتجاه «مومباي» التي أكلت من ملامح «بومبي»، لكنها لا تجعلك تستمتع بوقتك الراهن، وقتها الذي مضى هو الذي يتسيد الرأس، باحثاً عن أمكنة زلقة ظللت تتبعها، منتقياً لحذائك اللامع أماكن لم يغمرها الماء بعد، كم شقيت بتلك الرجل اليمنى العرجاء، أو كم أشقيتها دافعة جثتك الزائد وزنها نحو مخابئ تنشد «القوالي» ليلاً، الغزل، والموسيقى السنطورية، وإيقاع المعابد، ورقص الحجل، وتلك الجاريات من زمن قد مضى تنضح بالعرق الأنثوي، وبعض عطرهن الرخيص، المشوب برائحة «بودرة التلك» الطفولي، وتتذكر أسماء بعينها، «نيتو، ريكا، راكي، لاكشمي، سيما»، أنت الذي كنت تعتقد أنها غابت مع الوقت، ونسيتها حياتك المشتتة بين زوايا العالم، وجهاته الأربع، لِمَ حضرت الآن، وفي أول ساعات «مومباي» التي تدخلها في طورها الذي لم تخبره؟ ما أبعد السنين، وأحياناً ما أقصرها! تُرى هل شاخت تلك الوجوه النضرة يومها؟ كيف هي في عمرها الجديد؟ ما أصعب انثيالات الحياة حين تهجم عليك دفعة واحدة! لِمَ هنا الناس يشيخون سريعاً، وتتغير ملامحهم حد التلاشي والعدم؟! يا.. آه كم كبر ذلك السائق، وكم زادت مشكلاته مع الحياة! كم بعض الوجوه صامدة في وجه الحياة، وفي وجه الوظيفة! لا تريد أن تترجل إلا ببدلة الشغل، حتى بوّاب الفندق العتيق «الشيخ» مشطّ البياض لحيته المرسلة، وتخاذلت تلك الأكتاف العالية قليلاً، وبدا أقصر الآن، وحدهم التجار الهنود ما زالوا بطبيعتهم التجارية، يربحون، ويشيخون في دكاكينهم ذات الرائحة الكتانية الرطبة، والتي تعطيها تلك المروحة المخلصة في دورانها المتكاسل بؤس الوبر المبتل... وغداً نكمل