كل شيء تطور في هذه الحياة وتقدم وركب موجة التكنولوجيا، ووسائط التواصل الاجتماعي، وسبر المستقبل، والـ «ميتافيرس»، إلا فتيات الإعلان، ما زلن مسكينات، وبنفس اللهجة غير المتقنة، وبكنادير تخوير شغل مناطق نائية، وبتلك الجمل التي تشبه العلكة الذاهب رحيقها الحلو، تجد الواحدة منهن تتقصع وتتسكع بالطريقة القديمة للمشي، والتي أفهموها إياها، أنها دليل الرقي، وشبيهة بمشية عارضات الأزياء، لا شك أنكم تتذكرونهن، وتذكرون تعثرهن حين يجبرن على لفظ كلمة «الخبيصي» أو الدعاية لمركز حمر عين، فيصبحن علكة مُرة في أفواه الناس القدامى، وجملتهم القاصفة لهن: «شو كاضنك تدورين على رمسة غلجة عليك ولا ترومينها»! 
نفس فتيات الإعلان السابقات لم تتغير صورتهن منذ عشرين عاماً من دخول الألفية الثالثة، ما زلن يضحكننا بتلك السذاجة التي يطرحن بها علينا بضاعتهن البائرة، وخاصة فتيات الإعلان عن المشاريع العقارية، جميعهن لا يوحين بالثقة والصدق، وكأن الواحدة حافظة الدرس، وتريد أن تسمعه دفعة واحدة، وواضح أن أجرها ضعيف، ولا يتناسب مع التطور العمراني، وضخامة المشاريع المطروحة، وتحتار كيف تم اختيارهن بتلك الطريقة غير اللائقة، وهذا مرده لأمرين في رأيي، أن المسؤول في الشركة من فئة بخلاء الجاحظ، وأنه يشجع المتعثرات في الشهادة الثانوية على إيجاد فرص للعمل الرخيص، والهدف ترشيد الإنفاق، وعدم الاقتناع بالإعلان أو أن عنده نية لعدم إنجاز المشروع العقاري أو أنه مقاول يفهم في الحديد المسلح، والخرسانة الجاهزة والـ «ردي مكس»، وله تطلعات في المقاولات العامة والشاملة، والله إن أولئك الفتيات لهنّ جديرات بالشفقة، وهن يظهرن مستخفّات مع تلك الكندورة العربية جاهزة التفصيل، وبتلك اللهجة التي أشبه بالعجين دون تخمير، المشكلة أن أول جملة يقلنها للمستثمرين المتحفزين، هي: بَدّك تتملك.. تعال!
هؤلاء الفتيات الطيبات الساذجات واللائي يصدقن أنفسهن بسرعة، ويصدقن المشروع العقاري المطروح، هن أشبه بمن يعمل دعاية لشامبو الشعر، ويصر مسؤول «HR» في الشركة على ألا يوظف ممثلة هندية بشعرها الطويل والناعم خلقة من الله لهذه المهمة، ويستخسر، ويوظف امرأة من جنسية مختلفة لا يخصها في الشامبو والبلسم ولا الشعر الطويل الأسود الناعم كحرير، فيبور كل شيء.
فتيات الإعلان العقاري في الوطن العربي، وكذلك فتيان الإعلان الجدد، والذين تعتقد للوهلة الأولى أنهم من ممثلي الدراما التركية، والله جميعهم مبعث شفقة، ورأفة لما يواجهون من صعاب واستغلال وضغوط لتسهيل البيع، وأحياناً الضحك على الذقون، وهم يشرحون عاجزين لإقناع الناس المشترين والمترددين، الفتاة تحاول أن تضفي شيئاً من لغة الجسد على المشروع العقاري، والشاب يحاول جاهداً أن يتراءى للمشتريات أنه نجم مسلسل تركي كان ناجحاً في وقت ما، بعد ذلك تأمل في الشرح للمشروع، من كلا الطرفين، وخاصة ملعب التنس الأرضي الذي في خاصرة المجمع السكني، والذي يهم جداً «عيده وسعيدة» أو حوض السباحة الأولمبي وحوله الأسرة السعيدة، الأم بقبعة القش، والأب بنظارته الشمسية السوداء في حالة استرخاء، وعلى طاولتهما شراب كوكتيل من الأناناس، والـ «بيني كلادا» والذي تحرص عليه جداً عائلة مكونة من ستة أفراد، وأب كادح يشتغل منذ الفجر، وأم لا تستطيع أن تلحق على متطلبات عائلتها، بين طبخ ونفخ وغسيل وتنظيف، خاصة وأنها حامل في مولودها السابع.
الحياة تراها ليست ملونة بذلك اللون الزهري الفاتح، وليست سهلة منذ فجرها الباكر، والناس يعتلون السهل والصعب من أجلها، ويكابدون ثقال الأمور ليكسبوا صغارها، فلا تأتي فتاة فيها شيء من السذاجة لتقنعهم بالهواء العليل الذي يداعب ثوبها المخوّر أو يأتي ذلك الشاب الخارج للتو من صالون الحلاقة، ويريد أن يقنعهم بأهمية الاستثمار في تلك البقعة الغالية، والتي يساوي مترها ذهباً.
كلمة أخيرة للإعلان الحقيقي والجاذب والذي يوحي بالثقة رجاله ومبدعوه ومبتكروه، لا فتياته الساذجات، وشبابه الفاتن، تراها مشاريع عقارية، وليست دعاية عطور ودخون، وإذا سمحت تعال وَتَرَوّح! أو حط تحت كندورتك هذا الدخون الخنين!