قد تسكنك الأمكنة وتأخذ حيزاً كبيراً من زمنك ووقتك، وقد ينسل وقتك سريعاً وأنت لا تزال قابعاً في ذلك المكان الذي عشقته، وهناك جرس ونداء يدعوك كل يوم أن تطوف بها، أن تمضي ساعات طويلة محتلاً زاوية أو مساحة لا تفارقها أبداً ولا تبدل موقعك ومكانك، بعض المساحات والزوايا هي جزء من الراحة والهدوء الذي تنشده، هذه الأمكنة قد تكون مقهى أو حديقة أو زاوية على حافة بحر أو نهر، بل إن بعض الأمكنة البعيدة قد تناديك كلما حان وقتها وزمنها أو فصلها، تشد الرحال إليها، تنتقل من بلد إلى آخر لتصل إلى مبتغاك هناك، ذلك المكان قد يكون مطعماً صغيراً أو مقهى في ظل أو قمة جبل، أو قرية صغيرة أخذت تلابيب قلبك وسكنت فؤادك، قد يكون كوخاً صغيراً يطل على مساحات خضراء ومشاهد من الجبال والبحيرات البديعة أو الثلوج التي تأتي في الشتاء لتحتل قمم الجبال. أمكنة تنادي أصحابها العاشقين، كلما حان وقتها وزمنها أو فصلها، هي جزء من ذاكرة وحياة قصيرة كانت سعيدة ومختلفة، تجربة جميلة غيرت الكثير لديك، وفتحت أبواب الحب والسعادة والفرح... لا شيء يمكن أن يغير من عادة وشغف الإنسان إلا إذا كان حدثاً مؤلماً أو مزعجاً. في الحياة تعشق أمكنة، تعتاد الجلوس في مقهى أو فندق يناسب ما تحب، تتردد عليه كثيراً ويصبح خانة مهمة في برنامج حياتك، لا ترضى بغيره مكاناً مهما كان، ولكن قد يحدث شيء طارئ ودخيل ومزعج يجعلك تهجر المكان الذي أحببت لأنك لا تحتمل أن تمكث في مكان غير مريح، ولا تعود إليه إلا عند غياب ذلك السبب. يحدث أن يقول لك أحدهم: «يا أخي هجرت المكان لأنني لا أستطيع أن أوجد في ظل ذلك الجديد أو القديم الذي تحول إلى دبور مزعج في أحاديثه وتصرفاته غير المحبب. لقد حول المكان من ساحة ومكان للهدوء والسكينة إلى شيء يضيق الصدر وينشر الكدر والهم، هذه الأصوات والتصرفات والمناكفات لا تناسب هذا المكان ولا أريد الاستماع إليها، ولا وقت لدي لكي أتعب النفس فيما لا أحب».
يقول: كنت أحب هذا المكان وهو المناسب لي، وقد اخترته من زمن بعيد، أشعر بالراحة والهدوء والفرح عندما أمضي ساعات قصيرة وسعيدة.. هناك الكثير من الأمكنة والمقاهي والاستراحات هجرها أصحابها الذين أمضوا أعواماً طويلة هناك يقضون فيها جل وقتهم، ثم جاء عامل دخيل وطارئ جعلهم يبحثون عن الذي يناسب حياتهم ووقتهم، وقد يكون ذلك السبب بعض الأفراد أو تغير العاملين في المكان، أو سوء وتدهور حال وظرف المكان.. يغيب أو يهجر الإنسان أماكنه وذكرياته ولكن بالتأكيد يحن إلى أن يعيد شيئاً من ذلك الماضي، قد يكون بمرور خاطف وقضاء ساعات ووقت ممتع مع الأماكن التي عشقها يوماً ما. ربما كثيرون عندما يعاودون السفر إلى بلد قد زاروه يوماً ما ولهم فيه ذكريات قديمة، سيذهبون إلي الأماكن التي أحبوها وسكنت وجدانهم الأمكنة المهجورة بفعل فاعل قد تعيد لها عهدك القديم وتعاود عشقها من جديد وبكل قوة وفرح.