اللغة هي ذلك الجذر الأبجدي، إن لم نسقه بماء المكرمات ذبل وخبت خضرته وتهاوى وانكسر.
اليوم لغة الأبناء تمر بمنعطف خطير ينذر بانحسار البريق عن لغة طالما كانت هي في البلاغة نجمة، وفي النبوغ نعمة، وفي الفصاحة موجة تحرك في الوجدان شجوناً وشؤوناً، وفي الحصافة نسمة مرت على الخواطر، فأنعمت عليها بفضيلة الفرادة، وبلوغ شغاف المشاعر.
اليوم ونحن في غضون القرن الثاني والعشرين نرى لغتنا تسير على عكاز الركاكة، وتتكئ على مسند الهزال، لأن التعاطي معها صار بمنطق اللعثمة والتي تجري على لسان غير عربي، ومشاعر ربما تكون في غائرها عدائية تجاه أهل الضاد ولأسباب كثيرة ومتعددة، اليوم لغتنا تعاني من الجفاف العاطفي الذي يبديه أبناؤها تجاهها، حيث الكلمة العربية صارت غريبة الهوى مشتتة الأهواء.
اليوم عندما نفكر في إعادة ترتيب الأولويات نحو لغتنا علينا أولاً أن نعيد تهذيب تربيتنا لهؤلاء الفلذات، ولا ندعهم في قبضة الريح، والتباريح.
اليوم يتطلب منا أن نضع أيدينا على الجرح ونداوي الداء بدواء الأولويات القصوى وأهمها بأن تتولى الأمهات تربية الصغار ولا تدعهم بين يدي اللا مبالاة، تتيه مشاعرهم كما هي لغتهم بين الزين والذال، وبين الهاء والحاء، هذه المسلمات التي ضيعناها فضاعت الحسبة على لسان الأبناء، كما يجب أن نعيد النظر في تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية بعيداً عن النظريات المتوترة والأيديولوجيا الحمقاء.
فاللغة العربية هي لغة حية بالغة الحيوية نحن الذين أغرقناها في مناهج كدت واجتهدت ونحتت في الصخر حتى تمخض الجبل فولد فأراً، لا نريد جهوداً هكذا حتى وإن كانت صادقة النية وخانتها العبارة، بل نريد مبادئ نرسم على أساسها طريق لغتنا، وموالها ومنوالها، نريد الحلم يستمر بهيجاً كما هو في الضمير الشعري الذي خلد المتنبي، وأبا تمام والفرزدق وجريراً.
نريد لغتنا في البريق نجمة وفي التألق موجة، وفي الرونق قصيدة عصماء لا يكسرها غبش، ولا يثني قامتها رعش.
اليوم والإمارات أصبحت في العالم رسول سلام ووئام تستحق هذه الدولة بأن نحترم تاريخ لغتها، ونقدره ونرفع شأنه بعيداً عن آفات التنطع ومخرجات القفز على المراحل، وحرق المفاصل.
اليوم هذه اللغة السمحاء بحاجة إلى وعي الآباء والأمهات بالدور المنوط بهم، والمسؤولية الملقاة على عاتقهم والاهتمام بلغة الأبناء قبل أشكال الموضة التي يتحلون بها.
اليوم هذه المسؤولية تقع على كاهل أرباب الأسر قبل غيرهم أما الجهات الأخرى فيأتي دورها تالياً. فلا تدعوا اللسان غريباً والمشاعر مريبة، لا تتركوا اللغة ترقص رقصة الغربان على الشفاه البريئة، فأنتم الذين يجب عليكم التوقف قليلاً والتريث عند زاوية من الطريق قبل أن يندلق الصغار نحو جادة فيها الخطر يصيب في مقتل، والخسارة فادحة.