أحيت الإمارات، أمس الأول، الذكرى الثانية والثلاثين لرحيل باني دبي الحديثة الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، سند وعضيد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراهما، في رحلة بناء الدولة الاتحادية الجديدة حتى غدت الإمارات صرحاً شامخاً نفاخر به بين الأمم.
رحلة طويلة عنوانها العريض العزيمة الصادقة والإرادة الفولاذية والنية المخلصة والتفاني في العمل من أجل إسعاد الإنسان على هذه الأرض الطيبة.
كان -رحمه الله- رجل الأعمال والأفعال، يمضي جل يومه في الزيارات الميدانية واللقاءات التي يستهل بها صباحه في مجلسه المشرع الأبواب، وقلب صاحبه مرحبٌ بالجميع وعقله منفتحٌ على كل الآراء والمقترحات لأي مشاريع جديدة مبتكرة تضيف جديداً للإمارة وأبنائه المواطنين وفيها فائدة للجميع. تمتع برؤية سديدة ثاقبة وفراسة نادرة، فقد حرص قبل أكثر من ستين عاماً على القيام بزيارة تاريخية استغرقت ما يزيد على ستة أسابيع لمقار كبريات الشركات النفطية والصناعية في أوروبا والولايات المتحدة لإقناعها بالقدوم إلى دبي للاستثمار والعمل. وتنقل بين أكثر من ست محطات جواً وبراً وبحراً، فقد كان يرى ما لا يرونه.

كانت نظرته الرؤيوية لخور دبي كشريان حيوي للتجارة وربط القارات سابقة للعصر، توّجها ببناء أكبر ميناء من صنع الإنسان في جبل علي ويذهل خبراء العالم عند الإعلان عن المشروع الذي يتصدر اليوم حركة التجارة العالمية.
وعندما ترد ذكراه وسيرته العطرة تسطع ذاكرتي بموقف وجدت نفسي فيه يافعاً مرتبكاً أمام هيبته وحضور مجلسه، وبابتسامة أبوية حانية بدد الشعور بالرهبة داخلي لأقضي وأنجز ما جئت لأجله، تلك كانت سمة مدرسة العظماء وتواضع الكبار الذي أبهر مهندسي برج مركز دبي التجاري في مراحل بنائه وهو يفاجئهم بزياراته عقب صلاة الفجر لحثهم على بدء العمل مبكراً قبل أن تشتد عليهم حرارة الطقس.

كان رحيله يوم الأحد 7 أكتوبر 1990، ليودع «دار الحي» جوهرة بيد من أبدع في صقلها وصياغتها باني دبي المستقبل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الذي قال عنه «قبل 32 عاماً غادرَنا والدي ووالد دبي الشيخ راشد بن سعيد.. بصماته لم تغادر حياتنا.. مشاريعه لم تغادر شوارعنا.. دروسه لم تغادر أذهاننا، هكذا العظماء.. لا يغادرون المجد ولا يغادرهم.. رحم الله باني دبي.. ومهندسها.. ووالد شعبها».