من الأفلام الجميلة والشيقة، والتي لا تتركك لحالك، ملقية عليك الأسئلة الثقيلة، وفاتحة عليك نوافذ الجهات الأربع، وتستدعيك أن تشاهدها بين الحين والآخر، لأنها تمثل السينما كفن محرض على الوعي والمعرفة الإنسانية العميقة، ولأن لمثل هذا الفيلم لذة تستطعمها في الفم.. فيلم «لندن ريفر London River»، وهو من الأفلام التي غابت عني كمتتبع لأفلام المهرجانات، وخصوصاً المرشحة للجوائز الفنية المختلفة، ووحدها الصدفة هي من وضعته أمامي وأنا أستقل الطائرة باتجاه إيطاليا الجميلة، ليلتها أدهشني الفيلم، وجعلني منتشياً طوال الساعات الست، كان فيلماً في غاية الروعة، واللمسة الإنسانية، وهو نوع من الأفلام التي لا يمكن أن تجعلك تنام قرير العين ليلتها، فالأسئلة تنداح عليك، وتنثال تباعاً، وكلما خرجت من متعة السؤال، كلما اقتحمت مكاناً أوعر في فهم الشخصية الإنسانية، وأبعادها الثقافية، ومكوناتها العميقة جسدياً، ونفسياً واجتماعياً.
«لندن ريفر» من الأفلام التي ينهض بها التمثيل، وتلقائية الأبطال، وذلك الحوار القليل المختزل، وأحياناً كثيرة يكون الصمت مكملاً للحوار المتخفي بين نظرات العيون، وحركة اليدين، وتلك الانكسارات التي على الذات الإنسانية، وإذا ما كنت تجهل الممثل والممثلة في الفيلم، فستعتقد أنهما شخصيتان من الشارع، وظفهما المخرج دون أن يدريا أنهما يقومان بتمثيل فيلم، أو أنهما جزء من شخصيات واقعية في فيلم وثائقي، خاصة أن الأجواء الرمادية تطبع الفيلم الذي تدور أحداثه في لندن بعد أحداث التفجيرات الانتحارية في اليوم السابع من الشهر السابع صيف عام 2005، حيث يأتي عجوز أفريقي أسود مسلم يدعى «عثمان»، يعيش في باريس منذ سنوات طويلة، ويعمل في بستنة الغابات، وحماية أشجارها، يبحث عن ولده «علي» الذي لا يعرفه، إلا من خلال صوت أمه، فقد ترك أسرته حينما كان ابنه «علي» في السادسة من عمره، فتجبره الأم على الذهاب إلى لندن التي لا يعرفها، ولا يعرف لغتها، فهو يتحدث الفرنسية بلكنة أفريقية، وتبدو لندن غالية عليه بمصاريفها المربكة، ولم كان يعرف أن ابنه «علي» يعيش فيها، لتقصّي أحوال ابنهما الذي انقطعت عنها أخباره فجأة منذ تفجيرات لندن، والذي يقوم بدوره الممثل المالي «سوتيجي كوياته»، والذي نال عليه جائزة أحسن ممثل في مهرجان برلين عام 2009، وتأتي عجوز بيضاء إنجليزية، مسيحية، تدعى «سومرز»، تعيش في قرية على بحر المانش مقابل فرنسا، وتتحدث بجانب الإنجليزية الفرنسية، والتي يمكن التواصل بها مع الآخر، عملها في الفلاحة أيضاً، والتي تركتها إلى ذات المدينة التي لا تعرفها، تبحث عن ابنتها «جين» بعد انقطاع أخبارها مؤخراً، فقد عاشت «جين» بعيدة عن أمها، بعد مقتل أبيها الضابط في البحرية الملكية، في حرب فوكلاند عام 1982، وتؤدي دورها النجمة الإنجليزية «برندا بليثين».
خلال رحلة البحث في لندن يلتقيان من خلال صورة معلقة لـ«جين» على جدار للمفقودين، فيقارن عثمان بينها، وبين الفتاة التي تقف في جانب ابنه، فيتصل بـ«سومرز» من خلال الهاتف على لوحة الإعلان، فتقابله في فندقه البائس، لكنها تتهيب منه، وتخاف من لونه وشكله، وترفض حتى مصافحته باليد لعنصرية واضحة، وحين يريها صورة ابنتها، تنهار، وتذهب لتبلغ عنه الشرطة، فتزيد من ثقل ربكة المدينة عليه، ربكة الشرطة وملاحقاتها وأسئلتها والشكوك التي وضعت حوله، وغداً نكمل..