- في مرات لازم تسامحونا فيها، حينما نستعمل كلمات عربية بالغة القدم، ومفردات ثقافية بحتة، وأدبية صرفة، كأن نقول: «بلغ السيل الزُبا» من كثر ما نشوف ونسمع، مثل أن تتصل بك فتاة لا تعرف حظها من التعليم والمتابعة الإعلامية، إلا أنها تعمل في قناة إخبارية، تتصل وهي مستعجلة، ولا نلومها على عجلتها، تريد منك أن تظهر في برنامج إخباري تحليلي يعلق على أحداث الساعة اليوم مساء، فتدخل بتلك العبارة الممجوجة: «رأيك يهمنا يا أستاذ»، كما كانت تقول: فتعتذر بلباقة، فتقبل اعتذارك على مضض، لكنها تطلب منك أن ترشح لها صديقاً مع رقم نقاله ليحل محلك، فتعتذر بلباقة أكثر، فيخيب ظنها، وتقول: إن شاء الله في المرات القادمة يا أستاذ، وقبل أن تقفل الخط تسألك عن طبيعة عملك، فيسقط في يدك، لكنك ترد بلباقة، بأنك تملك خلاطات أسمنت، و«ردي مكس» لصب الخرسانة الجاهزة، والبناء بالحديد البارد، فتشكرك بعمق، وتقول: «بلكي نستضيفك في حلقات قادمة حين يتم التطرق إلى أزمة غلاء مواد البناء، وتأثيرها على القطاع العقاري، «هنا بدها» وتريد، وتبغي عبارة مثقفة من أيام الجاهلية الأولى: «بلغ السيل الزُبا»!
- «ليس مثل عليباء العربي، وهو يهم بالدخول أو الخروج في أي مطار، تجد الأكتاف منهزمة، تقول عليها ثقل يونية طحين، وثمة خوف من المجهول، وخوف من لا شيء، عينه زائغة لا تبصر أمامها إلا أن مشكلة قد تقع على رأسه فجأة، وقدماه لا تشعر فيها أي ثقة محتملة بأن تخرجه حتى حد الباب، من زرع هذا الرعب في قفا هذا العربي؟ من حمّله أعباء الدنيا، ووزر الآخرة؟ من جعل ظهره يشي بكل هذه الهزائم؟ وهو بالتأكيد لا يشبه ظهر أي دانمركي أو هولندي مقبل على كل الأشياء، وثمة ثقة في داخله تجنّح به، في حين العربي حين يتقدم، كأنه يتقدم نحو حتفه، ونحو الشرطي الساكن في داخله كشبح، وكأنه سيساق لزنزانة مكبلاً بالقيود الثقال، ويخاف أن يسأله أحد عن أي شيء، لتجد صوته متحشرجاً بلا سبب، ويتوقف عن المزح والضحك حينها حتى يفلت من الجمارك، ساعتها يشعر أن الروح ردت إليه، فيبلع ريقه الناشف، ويروّح عن قميصه المتعرق، مستدعياً ابتسامة تخشبت في صدره، وكادت أن تودي به».
- في ظل انعدام السيولة والتضخم في اقتصاديات البلدان، والتأزم الذي يحيط بالناس، وما يحمله ويتحمله الكثير منهم في هذه الحياة، بحيث أصبحت المشكلات ملازمة لهم، ويثقلون بها أيامهم، في حلهم وترحالهم، ومنهم من يعظّم المشكلات الصغيرة حتى تكبر وتصبح معضلات أثقل، أرى أن تقوم المطارات بوضع كاشف أو ماسح ضوئي أو «سكنر»، مثلما تفعل لتدقيق الأوراق الثبوتية، والتأكد من صحتها، لكي تمنع من يريد الدخول لأي بلد وهو يحمل معه مشكلاته في حقائبه، وليسموا ذاك الجهاز، جهاز مانع نقل المشكلات عبر المياه الإقليمية أو ماسح المعضلات، والطاقات السلبية، لأن مثل هؤلاء الناس يخسرون فلوسهم، ويسافرون، ولا يرتاحون، ويظلون يحملون أحمالاً زائدة في حقائبهم من مشكلاتهم المحلية القابلة لأن تصبح إقليمية أو دولية، يا أخي.. ما دخل العالم في مشكلاتك القروية؟