عندما يغيّب الموت إنساناً إنما يحرك في المكامن مواجع الخشية من الموت نفسه، فيبدو للإنسان إن ما يراه ويسمعه هو شيء من فتح محفظة الذاكرة ليشاهد الصورة جلية أمامه وتعيده إلى فحوى قوة هذا الكائن المريع والذي يطلق عليه الموت.
الإنسانية منذ فجر التاريخ وهي تصارع فكرة الموت بوسائل وأدوات مختلفة لتتحاشى مخالب هذا الكائن المريع وتبعد عنها سطوته وبطشه، ولكن يظل الموت ليس زائراً طارئاً وإنما هو كائن متكون في الذات، هو يأتيك من الداخل وليس يحط على روحك من الخارج، هو في صراع دائم مع الأنا، وهو دائماً ما يكون المنتصر في نهاية الأمر لأنه يمتلك من الأدوات ما لا تستطيع الأنا صده أو رده، فالموت لا يغالب الأنا في حد ذاتها وإنما يتمسك بحقه الطبيعي بوضع الكمين للجسد وينتظر متى يضعف جزء من هذا الجسد فينقض عليه ويهلكه، حتى يستسلم الإنسان وتصبح مقاومة الأنا ليست إلا أحلام طفولة بالطيران، أو القفز من قمم الجبال. 
عندما وصلني خبر وفاة الملكة إليزابيث، لا أدري كيف غامت حول عيني سحابة رمادية وشعرت بفقدان الابتسامة في لحظتها، وظللت مبهوتاً، صامتاً، تتسلط علي حزمة من الأفكار السوداوية حقيقة لم أعرف عن هذه الملكة التاريخية شيئاً سوى من كتب التاريخ وقراءاتي عن بريطانيا العظمى، ولكن سطوة الذاكرة كان لها الرنين، والضجيج الذي جعلني أشعر بشيء ما يشبه الخسارة البشرية لغياب هذه الملكة، وهذا هو الأمر الطبيعي، فالإنسان عندما يسمع عن غياب شخص ما فإن الذاكرة الجمعية تحيله إلى ما هو شخصي، أي أنه يشعر بغيابه هو نفسه وهذا أمر يشعر به كل إنسان مرتبط بالحياة ارتباط الجنين بحبل المشيمة. 
وقد تجسد أمام عيني سلطان الموت وأنا أتابع لقطات ومشاهد من نشاط الملكة وزياراتها المائة والخمسين حول العالم، تذكرت واستدعيت الذاكرة وأنا أرى وجهها الطفولي وابتسامتها العفوية كيف تذهب هذه الوجوه إلى غير رجعة، وتبقى وجوه ربما العالم في غنى عنها؟ وبينما أنا أخوض معركة ضارية مع الصور والمشاهد، تزاحمت في رأسي صور أناس أحببتهم فغابوا عن الدنيا ولكن وجوههم باقية على مر الزمن، إنهم رسموا صورهم في منطقة عميقة من القلب، وسوروها بأحداث مرت، وعلاقات ازدهرت في الوجدان كأنها الحضارات في عز شبابها، وريعان فحولتها. 
هكذا هو الموت، فهو واحد وإن تعدد الأفراد، لهذا غياب شخص يقلب الدفاتر ويبرز وجوهاً تكاد تكون توارت ولكنها لم تطو العباءة بالكامل. حياتنا مثل موجات تتتالى بعضها وراء بعض، وموجة تنهي دور موجة ولكن الموجات في نهاية الأمر هي نفسها لأنها تخرج من نفس البحر. 
نحن في الحياة مثل مسافرين عبر قطار أزلي، نقف في محطة ما وننتظر ولكن قد يفوتنا القطار لمجرد غفوة، ولكن لا بد وأن يأتي قطار آخر ونستقله وفي داخل القطار نجد بعض الوجوه التي تشبهنا، فنتعلق بها، ونستدعي الذاكرة، فتتجلى صورتنا الحقيقية في هذا الوجه أو ذاك، الأمر الذي يوحدنا في الحياة والموت أيضاً. ولذلك لا يمكن أن نستغرب من قفزة الحزن على قلوبنا عندما نسمع عن موت إنسان أي إنسان وكذلك الفرح هو متحد في داخلنا، ولا مجال لتنويعه، أو تمزيق أوراقه.