إنه فقط الحب، وجمال النفس النقية، وأنها وحدها الطيبة من تجعل الناس تتفق على مودة شخص، قد لا ترتبط به من قريب، وتعرفه من بعيد، لكنه يصبح جزءا منهم، وترتبك مفاصلهم إن سمعوا أن به أذى أو مرضا، يفرحون حين يظهر لهم في مشهد من مشاهد الحياة، ولو كان ينزّه حيوانه المدلل أو يتوقف ليسلم على أطفال وقفوا بجانب حديقته، تلك الصفات والفعال لا تنطبق إلا على غير المحبوبين من الناس، وهي هبة ربانية، غير أن الأخلاق تزيدها، والرقي يجملها، الملكة إليزابيث الثانية، هي وحدها من كانت تجد ذلك القبول والمحبة والتقدير من الجميع، كانت شاهدة على العصر وأحداثه لما يقارب القرن إلا قليلاً، شهدت وشاهدت حروبه وأمراضه وتقلبات السياسة فيه، أفراحه ومسراته، وزلازله الطبيعية والاقتصادية والأيديولوجية، هزتها مصائب وفواجع شخصية، لكنها أيضاً رأت من مبهجات الحياة وألوانها، ما سر خاطرها وأفرح قلبها، وجعل ضحكتها الملوكية تخرج من نطاق قفصها الصدري دونما أي حرج، كانت هي بمثابة جدة طيبة للعالم، موقرة عندهم في حضورها وغيابها، ويقلقون عليها مثل أعز فرد في العائلة، كنت أفرح شخصياً حين تظهر للناس، وتشارك في المناسبات، وكنت أستشف من مرآها كثيراً من العافية والتفاؤل وقيمة الحياة بالعمل وبرقي الأشياء فيها، أي خبر لها وعنها ومنها كان محط قراءة، ومصدر متعة وشغف، عيد ميلادها كان فرحة، ضحكتها مع أحفادها فرحة، زواج أبنائها وأحفادها مع ما مر عليها من بشارة وخيبات أمل كان فرحة، وكان أي شيء يفرحها تجد العالم بأسره يشاركها تلك الفرحة، حالتان حزنت معها وبعمق، وشعرت بوخز يشبه وخز المخرز في الصدر؛ حين ودعت أمها، «الملكة الأم»، وقلت ليلتها: ستعد تلك البنت التي تسلمت التاج البريطاني في صغرها، أيامها المتبقية في الحياة حين دفنت أمها، فوداع الأم يعني اليتم الحقيقي، وثمة طعم للحياة مختلف وغير مستساغ، وتشعر فجأة أن كل الأشياء بدأت تضيق عليك، وأن هناك خواء في الروح لا يشعر به أحد مثلك، وحين تخلى عنها ذلك الزوج الأدميرال البحري، في وداعه الأخير، متخلياً عن كل أشيائه التي تسعد قلبه، وتركها وحيدة في تلك السفينة الملكية الكبيرة والجديدة، بعد ما تحولت سفينتها القديمة «الملكة إليزابيث الثانية «إلى مطعم عائم في دبي، حين تقرر لها أن تتكهن، ويتقاعد بحارتها، مكتفية بكل أسرار إبحارها، والجزر التي رست فيها، وعشاءات الليالي الجميلة التي نظمتها، ترك «فيليب» ظله البارد الذي يقف خلفها، وكثيراً من سخونة قلبه نحوها، مودعاً تلك الزوجة الملكة، وهي تواجه الموج في خريف عمرها، وقسوة الليالي المظلمة حين تزور سريرها، وتذكر مشاغبات ذلك الزوج الذي كثيراً ما كان يحرج بلاط جلالتها بنكاته وتصرفاته وتعليقاته، وكأنه لم يتخل عن مزاح ومزاج ذلك البحار اليوناني الذي يسكن فيه منذ الأزل.
الملكة إليزابيث الثانية.. جدة العالم، والشاهدة الأكبر لأحداثه ومتغيراته، وداعاً جميلاً يليق بسيدة المقام الملكي، وبجدة طيبة كان يحبها الجميع، وبكاها الجميع.