عندما ترتفع نبرة الحوار فاعلم بأن الأنا قد توارى، واندثر، تحت سحابة سميكة، وانتهى إلى لا شيء. وأصبح الإنسان يسبح في سماوات صافية لا غبار عليها ولا سعار يخدشها. 
عندما يصبح الحوار سمة العالم فثق بأن الحياة بدأت من جديد، تغرف مياها متحركة ونقية، وعذبة. عندما يفتح الحوار أشرعته فتأكد بأن الإنسانية تركت خلفها كل البراثن، وكل العوادم الدخانية، وكربون الغضب الخانق. عندما يتحرك ضمير البشرية وتعلن الأنا استسلامها للحقيقة، يصبح الوجود أنامل ناعمة ومن دون مخالب، ولا دماء. 
اليوم وبعد حروب شعواء، ضارية أحرقت منازل البشرية، بدأ العالم ينتبه إلى أن الحياة بدأت بسلام نفسي، ولابد أن تستمر في هذا القارب، لتعبر المحيط من دون أمواج هائجة تحطم وتهشم، ومن دون نداءات استغاثة بفعل الكوارث البشرية، لقد قال فيكتور هيجو «نحن نرزح تحت وطأة هذه الآلهة المتوحشة والتي تسمى أفكارا، فهي تدوس بأطرافها المتنازعة على أرواحنا، فنظل نعيش من أجل البقاء، لا من أجل الحياة». اليوم العالم يرفع بصره ويراقب ما يحدث في الطبيعة من غضب، فالجفاف والسيول يضربان بقوة، ويحرمان البشر من العيش بأمان، الأمر الذي يستدعي اليقظة، فإذا لم تتصافح القلوب وتصفح، وتسامح فلن يبقى أمام البشرية سوى انتظار النهاية المأساوية، لأن التحدي الطبيعي يحتاج إلى اتحاد عالمي أمام الأزمات الكبرى. وإلى وعي بأهمية أن نكون معا لا ضد. 
فالفرقة البشرية هي التي أشعلت حربين عالميتين، وراح ضحيتهما الملايين من البشر، وهدرت مقدرات وإمكانيات، ولم يربح سوى الأنانية العمياء، ولم يكسب سوى نزعة الشر التي كانت تلبد في ضمير الأشرار. بوجود العقلاء نستطيع تجسير الهوة بين هذه الدولة وتلك، وبين هذا الحاكم وذاك، لأن العقل عندما يمسك بزمام الأمور، فإنه يمتلك القوة السحرية للجم الأنا من التحريض على العدوانية، وكراهية الآخر. العقل عندما يقف أمام سبورة الحياة ويمسك بطبشورة العناوين العريضة ويقول لا للحروب، ثم يضع النقطة على السطر، تتوقف الأنا عن التبذير في النداءات العدائية، ويتوقف الطوفان الداخلي رعن الهدير، وتشرق الشمس، وتتفتح أزاهير الفرح، وتفوح رائحة العطر الشجي، وتمتلئ الدنيا بالرياحين وعبق الحب. 
الحب هو هذا الديدن الذي يمنع الانهيار الداخلي، وهو الذي يرفع من منسوب مشاعر الرقة والتي بدورها تلون الحياة بالليلك، وتصيغ رواية جديدة للتاريخ، وتكتب أسماء أبطال للسلام بدلاً من أبطال العنف والدمار، وخراب البيوت. اليوم نرى في الأفق بيرق الأحلام الزاهية يلمع ويرسل إشارات رمزية بأن عصر الحروب ولى، وجاء السلام الإنساني يرفل بثوب الاستقرار، والطمأنينة. 
اليوم نرى في الأفق شمساً جديدة تلوح بأشعة الحياة ونمو المشاعر الرائقة، الماهرة في صناعة التطور، وبناء العلاقات بين الدول على أساس الاحترام المتبادل وحسن التفاهم على أمور مختلفة ومهمة.