يحكى أن فناناً فكر أن يرسم لوحة عظيمة لم تخطر على بال أي فنان قبله، فذهب إلى الصحراء وبعيداً عن المدينة يبحث عن إنسان بريء لم تلوثه الحضارة، فالتقى براعي غنم، وظل يتأمل البريق المشع في عينيه، ثم ذهب إلى بيته ودخل مرسمه، وعكف على اللوحة ولبث مدة طويلة حتى انتهى من رسم وجه ذلك الراعي، وعرض اللوحة على جمهور من الناس فأعجبوا بها، وانتشرت شمعة اللوحة المعجزة بين الأوساط الاجتماعية وأخذت شهرة لم تأخذها لوحة سبقتها، وبعد فترة خطرت على بال الرسام بأن يرسم أقبح وجه، فجال المدن والقرى حتى وصل به الأمر أن زار المصحات، والمستشفيات، والسجون حتى التقى في أحد السجون برجل بان من وجهه الشرر، فوجد الرسام ضالته فانكب على رسم الرجل وبينما هو مستغرق في تهذيب لوحته وتجميلها نشج الرجل وصار ينتحب غارقاً في الدموع، فرفع الرسام وجهه ونظر إليه في استغراب قائلاً ما الذي يبكيك، فرد الرجل قائلاً أنا هو ذلك الرجل الذي رسمته منذ فترة، فقد كنت بريئاً، عفوياً وأنا أرعى غنمي، وأعيش على ما تدره هذه الحيوانات من خير، ولكن الطمع استولى عليّ، وتركت مهنتي السابقة، وهجرت المرعى واندمجت في منافسات مع رفاق العمر وشعرت بالعجز أمامهم، فانتابني الغيظ، والحقد على هؤلاء، ودخلت في صراعات، وتناحر مع كل من يعترض طريقي حتى وصلت إلى ذروة الصراع، وفيما أنا أتشاجر مع رجل أغاضني ما يملكه من مال غرست يدي في عنقه حتى فارق الحياة. بهذه القصة استنتج الرسام بأنه كما هناك وجه تضيئه العفوية فهناك وجه آخر تعتمه الكراهية. فالجنة والجحيم يسكنان في النفس الأمارة والنفس اللوامة، هو ذلك الضمير، أو لنقل هي تلك العبقرية البشرية في صناعة الشر، كما هي قدرتها الفائقة في زراعة الخير. ففي هذه اللجة العميقة تكمن النار والجنة، هناك في العمق الغائر يستوطن الأنا العنيد الذي إن تورم وتضخم أصبح بركانا عنيفا لا تلجمه سدود، ولا تحده حدود، إنه قيامة الإنسان الذي لا يملك سوى الاتكاء على وسائط الأعذار ليحمي نفسه من التأنيب، فيقول أنا أكره فلانا لأنه ارتكب ضدي الخطأ الفلاني، أو أنه يقول أنا لا أطيق فلانا لأنه يبدي تصرفات مؤذية لمشاعري، وهكذا يسوق الكاره مبررات، وحجج، واهية لكي يبرئ نفسه من توبيخ الضمير، والعكس تماما لدى الشخص المتصالح مع نفسه فإنه مثل الشجرة تقف في الصباح القائظ لتظلل عابر السبيل، وتحمي رأسه من اللظى. الأنانيون هم أو لئك الكارهون والذين تطفح الكراهية من تحت جفونهم، فتسيل في عيونهم كأنها الزئبق المذاب.