كان البحر يلفه غموض لا نهائي عندما كنت ذات يوم في رحلة سياحية برفقة أختي وابنتها، كنت أجلس على شاطئ مدينة جونية في لبنان التي دمرت جمالها وروعتها وحضارتها التي امتدت عبر القرون بأيدي الجشع والعقول التي أوغلت في الضلالة!
كان المساء يوشك وأختي وابنتها تركتاني وحيدة على الشاطئ، ولم تعودا بعد. فقد ذهبتا إلى محيطهما يخوضان في لجة الشراء، فلعلهما لا تزالا تتفقدان البضائع من متجر إلى متجر، بسطوة الشغف إلى الشراء! كأنما الحياة برمّتها بضاعة تتوزعها المتاجر ونقودا للمقايضة. ولست أدري لماذا لم يمتص طاقتي هذا الشغف! ربما لأن شغف القراءة وشراء الكتب هو الذي جعل بيني وبين متاجر البضائع حاجزاً امتد على مدار سنين عمري! ها هو الضباب يلوح من بعيد، والغيوم تنتصب كأنها جبال ترسم خطاً فاصلا بين الأرض والسماء. حيث الشمس تذهب وئيداً إلى مرقدها، تاركة ذيولا من لهيبها تضيء الفراغات بين قطع الغيوم المتناثرة التي تلوح في البعد، كأنها تفترش البحر، وليست معلقة بين الأفق وخط الماء. قلم الرصاص الذي كنت أحمله دوما مع دفتر المذكرات، انقطع وأيقظ غضبي. وأنا كنت أود أن أكون هادئة، غارقة في تأمل اللحظات الصعبة التي تمر بها البشرية، واللحظات المبهمة التي تمر بها حياتنا. وئيداً تكتسب الغيوم لون السواد، كأن رماد الحرائق الذي انتشر في لبنان يتصاعد إلى السماء مكوٍناً اضطرابا سديمياً. والبحر سادر في لا مبالاته الأبدية ونشيجه الذي لا يهدأ. آه لو أن تلك الموسيقى الساقطة تكف عن جلد سمعي، بتردد معانيها الجوفاء، كنت قرأت طلسم البحر، وحدقت في الأمواج وهي تتدفق بوجهين، وجه كبريق الفضة، ووجه كعتمة المجهول. أي لحن رقيق لتكسّر الأمواج يعزف البحر. ولماذا أجلس وحدي، حيث لا أحد ينصت للموج حين يتئد حينا في مده، وحينا في جزره؟ بيني وبين البحر وشيجة عشق لا تنتهي. بيني وبين البحر اكتناه أسرار البحر للبحر. بيني وبينه شوق الرحيل الذي لا يستحيل، لأن بيني وبينه لقاء يتشظى على موعدٍ لا يدركه هو ولا أدركه أنا. كأنما البحر يأس مفعم بضجة الأمل. ها قد بدأ الظلام يجلل البحر. والبحر بجلاله يرشني بملح الموج حينا، وحينا برغوة الزبد. وبينما كنت أتأمل البحر كتبت على رمل الشاطئ: أخط على رمل السنين مدارجي، فلا الرمل يحفظني، ولا البحر يذكر. كأن سنين العمر غفوة حالمٍ، يمدُّ بها موجٌ، وموجٌ سيجزر! وفجأة اندفع الموج وجرف ما كتبته!