حين تجتمع اثنتان من العمات العانسات مع بنت أختهن الصغرى، وأمها التي تطلقت حديثاً لأسباب غير واضحة، والتي افتقدت مهاراتها الجمالية بسرعة لا تحسد عليها، وغدت أشبه بالخياطات في مصنع لا يدفع كثيراً للعاملات فيه، ورغم ذلك يمكثن سنين فيه حتى يتكورن، أو أشبه باللواتي يمكن أن يصنعن المربى من مختلف أنواع الفاكهة بصيغة آلية في قرية منزوية، وهي تنتظر زوجها بملل.
ثلاث أخوات هن مشاريع لثلاث تنهدات في تلك الجلسة التي سيقررن فيها قبول ذلك الشاب الذي يشبه كتلة واحدة دون ملمح يميزه، زوجاً لبنت أختهن الصغرى، والتي تطلقت أمها حديثاً دون أسباب جليّة.
اجتهد العريس الذي كان يتمنى من شبابه الكثير، لكنه انتهى به المطاف إلى أن يكون مثل أي موظف عمومي لن يخلص دائماً، بأن يزين تلك الطاولة بأنواع كثيرة من المأكل والمشرب، بعضها لا يشتهى، ليبرهن لصف العانسات أنه كريم، وفيه شيء من الثراء العائلي، وقد حاول أن يطرح نفسه في تلك الجلسة على أنه سليل أسرة بورجوازية ورثت النُبل من سنين طويلة، غير أن ظروف الزمن وتقلباته أصابت مكانة العائلة مثل كل العائلات الأرستقراطية اليوم، والتي أجبرت على التنازل عن كل إقطاعاتها.
الابنة التي كانت تحلم بتاج فضي على الرأس، وبفارس له من هيبة الطول، ومهارة المبارزة بالسيف، أغمضت عينيها عن ذلك الحلم مبكراً، فلا الخيل ولا السرج موضع ثقة للعريس، ولا محط نظر للعروس التي بدت أقرب لمشروع تفريخ مستقبلي، ورضاعة مبكرة دون أي مسؤولية، والتي تشبه أمها المطلقة حديثاً في صغرها، بدون تلك اللثة المحمرة والمتورمة. زوج المستقبل الذي تراهن عليه العمات من دون همة قوية، والذي بلا رأي يسنده وبلا خبرة عمر يمكنها أن تدعم أقواله في حضرة تلك العانسات المجربات، في حين اقتصرت مهاراته بأنه فقط امتلك سيارة جديدة دون أقساط، وغدا يرتدي إطار نظارة طبية ذهبياً بدلاً من تلك النظارة البلاستيكية السوداء والتي كانت توحي باجتهاده في دروس الرياضيات وتفوقه في المواد العلمية، وأنه كان مرضيّ الوالدين، بغض النظر عن ربكته الواضحة تجاه الحياة وتفاصيلها، وأنه ربما لو دخل المدينة وحده، فلن يكف عن سؤال الغادي والبادي عن طريق الخروج من تلك المدينة التي تجلب الدوار، وأمور كثيرة لم تمهله الحياة ولا النفس المتوثبة لأن يعرفها، بحيث لو فاجأته إحدى العانسات المبارزات بسؤال عن سعر أسطوانة الغاز أو ربطة الخبز، فسيخسر ليلتها الرهان، لكنهم كنّ يردن لذلك المخطط العائلي أن يسلك طريقاً قصيراً، كانت هناك قيادة نسائية واضحة للموضوع تقوده عمات قادرات وبنت لا يمكن أن تصفها إلا بأنها بلهاء بجمالها، ومقدار لحمها الذي يزيد قليلاً هنا وهناك، ولن تعدو أن تكون غير مشروع رضاعة مبكرة دون أي مسؤولية.
في تلك الليلة، وعلى طاولة ذلك المطعم التي جمعت أختين عانستين، وأماً تطلقت حديثاً، مرجعة أسباب الطلاق لزوجها الذي لا يُعاشر، وموظفاً كان يَعدّ الزواج متمماً لحلقات الوظيفة في الحياة، وبنتاً هبلة بصغرها وسمنتها، انسكبت ثلاث تنهدات من أجل أن يصبح أحدٌ متزوجاً في المنزل.