ـ «سويرة وبنتها، كم تحتها»؟، كلما شاهدت أحداً من أبناء الجيل الجديد، أتذكر تلك الحزورة التي كانت تقصها علينا الجدات والأمهات في ذلك الزمن غير البعيد، وكيف كانت تلك الحكاية تجمعنا، وتسافر بِنَا، وتعرفنا على بيوت الحارة واحداً، واحداً، حيث تقضي الحكاية الجواب على سؤال، كم تحت تلك الأم التي تسكن ذلك البيت؟ وعلينا أن نحزر بيت فلان، ومن فيه من الأولاد والبنات، هي حزورة عفوية، ولكنها تدعو للترابط الاجتماعي والتآلف الأسري، اليوم معظم هذا الجيل لا يعرف من هم أولاد الجيران، إذا لم يكونوا جميعاً في مدرسة واحدة، اختفى ذلك الملعب التابع للحي حيث يجتمع الشباب، وماتت تلك السدرة التي تستظل تحتها البنات، ويلعبن لعبة «الحيا»، بل اختفت الحارة بأكملها، وغدت بيوتاً تزلج على قاطنيها الأبواب الحديدية، ولَم تعد الجدات والأمهات يتذكرن تلك الفزورة أو الحزورة القديمة التي تبدأ بذلك السؤال الاجتماعي: «سويرة وبنتها كم تحتها»؟
ـ لا أدري ما هي أسباب «الحرولة» في مجتمعنا المحلي، بنات في نهاية الأربعين وبداية الخمسين تلقاهن عظامهن ما يشيلنهن، ويظلن يشتكين من هشاشة في العظام مبكراً، بالرغم من أنهن لم يكن يشبعن من الحليب، نشّفن ضروع أمهاتهن وجاراتهن، وبعدين مع العمر دلة «جاي» حليب رايحة وأخرى جاية، وطلباتهن ما توقف، إذا حلبتوا الناقة أو البقرة لا تنسونا، وحليب العين ما يواحي له يتم في ثلاجة الجمعية، ومع ذلك تظهر عليهن بوادر «الكندمه»، هذا لو هن مثل جداتهن يسرحن من الصبح يحطبن ويروّن ثم يعجن ويخبزن، وعقبها يركبن قدر الغداء، ويظلن إلا كشاب الحوي أو تحضير فوالة العصر، وتنظيف الفنارة، ولا يرقدن إلا بعد ما يتعشى الأولاد.. طيب ليش ما يتعظن من سيرات ألمانيا وسويسرا في الصيف، وشوفة العجائز هناك، تلقى عود الوحدة منهن مصطلباً، وبعضهن يسقن «سيكل بيدر» في الغابة، والتي تسرح بعربة التسوق تتبع ظلها، ولا يوجد في قاموسهن معنى للـ«حرولة» في العمر الذهبي للحريم!
«بصراحة.. ما أحد عائش مثل الأوروبيين، في بلادهم يعيشون يومهم، ومن أجل عملهم، ولا يهمهم إلا أنفسهم، لا الرجل سيهمه كثيراً إذا جاء الجَزّ لولد عمه أو جاء القص بيته، ولا المرأة سيقلقها إن لم تعرف ماذا طبخت جارتها، وفي أسفارهم يتركون كل شيء وراءهم، ولا يبالون بشيء، يستغلون وقتهم، والمتاح لهم، ويفرحون بيومهم إلى أقصى مداه، نحن نسافر مع مشاكلنا أو من الممكن أن يأتينا اتصال يعكر مزاج اليوم، رغم أن لا مصلحة لنا فيه، يمكن تتصل الزوج المصون لأن ناقصنها بزار، وفلفل دراز، نسيت أن تشتريه لها قبل سفرك، وسقط سهواً من قائمة طلباتها، ولا يجوز بصراحة أن يخلو البيت منك كبعل، ومن الفلفل دراز مرة وحدة، فتجفل من لحظتها، ويظل فكرك مشغولاً كيف تؤمن للغالية ما طلبت، في الدول المتقدمة لم أر في حياتي أوروبياً يرضع من تليفونين في وقت إجازته أو يمكن أن تعكر «سوزان» مزاج «مستر سميث» في سفره، لأن البيت ما فيه «فلفل دراز»!