نعيش الحياة ونحن نحلم، وبعض الأحلام ترهات تغوص بنا في بئر السوداوية، فنفقد قدرتنا على رؤية الحياة كما هي، مما يجعلنا نخوض معارك خاسرة، وقد نفقد فيها أعمارنا، ومستقبلنا، وبهجتنا، وسواء سلوكنا.
إمبراطوريات تحطمت، وحضارات اندثرت، وإنجازات تدهورت، ومشاريع توارت، لأن أحلامنا كانت خدعة بصرية صورت لنا أننا نملك ما يفوق قدرة غيرنا، وأننا القوة الخارقة التي لا تُقهر.
هتلر «الفهرر» تكسرت عصاه الغليظة، لأنه حلم بأنه يستطيع بقوميته الشوفينية أن يقهر العالم ويسيطر على القارات الخمس. 
نابليون انتهى به حلمه الكبير إلى العُزلة وحيداً في جزيرة نائية، الإسكندر الأكبر انتهى به المطاف مجذوماً محروماً من قراءة فلسفة معلمه «الأكبر».
ماري كوري الفرنسية الحائزة على جائزتي نوبل في الفيزياء، والكيمياء وصل بها الحلم في قارب الانحراف إلى فضائح في الشرف.
هيمنجواي الروائي الأميركي الأعظم كتب عن الفرح ومات منتحراً.
جيبون المؤرخ العظيم أنجز أهم ثلاثين مجلداً عن سقوط الإمبراطورية الرومانية، وانتهى به العمر إلى غرفة ضيقة يغسل جدرانها بدموع الأسف، والاكتئاب المرير، بعد أن أحس بأنه لا جدوى من حياته، بعد فصول من النشاط في الكتابة عن أعظم إمبراطورية بعد الإمبراطورية اليونانية.
ولكن ليس كل الحلم خدعة، بل شيئاً منه، وهو الجزء الأهم يثير في الأعماق موجة الإبداع، ولولاه لما جاشت أفكار، واشتعلت طموحات، وأزهرت مشاعر، وازدهرت حضارات، وتفوقت أمم، وانتصرت حضارات، وسادت شعوب، وتميزت مواهب، وأنيرت دروب، واستطاع الإنسان اختراق الفضاء وتحقيق الأهداف السامية.
لولا الحلم لما تم الكثير من الاكتشافات العلمية، وقهر الكثير من الأمراض الفتاكة، ومدت الجسور لفتوحات في مجالات مختلفة، ومتنوعة، ومبهرة، ومدهشة، ومفرحة.
الحلم، هو الضوء الذي نستقي منه فنون حياتنا، ولكن قد يشع فيرينا سر نجاحنا، وقد يسطو على بصرنا، ويعمي بصيرتنا، فنحن الذين نستطيع أن نضع الميزان الذي يرفع كفة نجاحنا، أو يرخيها، فنسقط في قاع هزيمتنا.
الحلم أداة، ونحن الذين نختار ما ينفعنا ونتجنب ما يضرنا، نحن الذين نشير للقلب إلى ذاك الذي يضيء حياتنا، وذاك الذي يطفئ النور في حياضنا.
فالوجود اختيار، وعدم الوجود عدم الاختيار.