سنتان ونيف مرت والعالم مسجون في قفص الخوف من الإصابة بمرض كان أشبه بحرب عالمية على الحياة، فقدنا أحبة، وخسرنا أصدقاء، وشهدنا دموعاً تسيل كالوديان على خدود مزقتها حرقة الفراق، شهدنا حسرات تخرج من صدور، كأنها دخان محارق يخرج من فوهات اللظى.
كانت أياماً مثل حشر مستعجل لدفن الفرحة البشرية، واغتيال الأمل، كل شيء في هذا الكون أصبح أسير الوباء اللعين، كل شيء، بدءاً بالعلاقات الشخصية، مروراً بالتعليم والصحة والاقتصاد كان في حالة استنفار وتشظٍ، وترقب وقلق واستحضار كل أدوات الدفاع عن الحياة، ولم يشعر الإنسان بأهمية الحياة في وقت من الأوقات أكثر من زمن «كورونا»؛ لأنه المرض الذي كشف عن حق مدى تشبث الإنسانية بالحياة، وبمنجزاتها الحضارية، حيث حيشت كل القوى والموارد، والإمكانات، والقدرات في مواجهة وباء فاجأ العالم في جبروته، وعنفه وعصبيته، وصعوبته، ولكن لأن البشرية جمعاء، محبة للحياة، عاشقة للأنا، متمسكة بقدرتها على النصر على ملمات الطبيعة، أبرزت إصرارها، وشمرت عن سواعدها، وأكدت لنفسها أن المعرفة قوة كما قال الفيلسوف الإنجليزي فرنسيس بيكون.
وحقاً حدث هذا عندما تلاشت النزعات السياسية المحتقنة، ولو بشكل مؤقت، فكان هذا هو العامل الأساسي الذي حقن دماء البشرية، وحفظ ودها مع الحياة، المر الذي يجعل الإنسان يتفاءل حتى في أسوأ الظروف، رغم كل الحروب العشوائية التي تتفجر قنابلها هنا وهناك؛ لأن البشر قادرون أن يوقفوا عجلة الخراب في لحظة حاسمة، ويعيدوا الحسابات لصالح صحة المجتمعات وسلمها وسلام حضارتها.
اليوم وأنا أتأمل خريطة الأرقام التي كانت، والتي أصبحت بفارق واسع أشعر بالفرح، وأرى عيد فطرنا القادم سيكون بوجه وردي، ويرتدي ثوب البهجة، ويعد للناس سفرة صباحية مزدهرة بابتسامات  تغطي الوجوه، وتبسط النمارق، والزرابي، وتنثر عطر المصافحات الحشيمة، وتملأ وجدان الناس ببيارق النصر على أعتى داء، وأشرس وباء منذ القرن السادس العسر.
هذا العيد غير؛ لأنه عيد الخلاص، عيد الاحتفال بأيام توارى فيها ليل، وانبلج فيها فجر، وستبقى الذاكرة تحمل في طياتها صور من رحلوا، ومن طووا عباءات الحياة، واختبؤوا في القلوب أحياء ما دامت الروح حية.
هذا العيد غير؛ لأنه سيرقرق مشاعر بالذكرى، وسيحدق في المدى ليشير إلى صور معلقة على الجدران لم تزل تقص حكايتها رغم الصمت، ولم تزل تقرق فناجين قهوتها رغم الغياب.