ربما يذهب العمر إلى أقصاه، وأرقام السنوات تصل إلي ذروتها، ولكن من ينزع لزقة الطفولة من القلب؟ من يشحذ سكين التاريخ ويلغي بدايات كانت هي الجذر الذي امتد منه ساق العمر، وتفرع عبر سنوات وشعاب وأحداث قد تكون في معظمها عثرات، وكبوات، وإخفاقات، وانكسارات، ولكنها تبقى جميلة وهي تحفر آثارها على لوحة القلب لتبرز مدى أهمية أن تظل الطفولة راسخة وبائنة، لا تخفيها أشعة الشمس، ولا تمسح طباشيرها على سبورة العمر.
بعضنا يتوارى خجلاً من أحلامه، ويختبئ في جيب معطفه خوفاً من انكشاف أمره وهو يتتبع مشاهد من حلم الطفولة وفي أغلبها تبدو ساذجة، ولكنها في المضمون تحمل ما تحمل من أسئلة تقود في أحيان كثيرة إلى الإفصاح عن أسرار مستقبلية، لأنه ما من حلم إلا وتكمن في داخله معان، وعلاماتها اللغة.
وهي المفتاح لبيت القصيد في أي حلم، ولكننا لأننا نعتقد أن الطفولة مجرد مرحلة عابرة، وبدائية لا تستحق الالتفات، حتى وصل بنا الأمر أننا نسخر من حلم الطفولة، ونشيح يمنة عندما نسمع عن حلم طفل في الأن اليسرى.
وهكذا تستمر الأرجوحة تأخذنا إلى حيث الفراغات اللا متناهية، فلا نسمع سوى أن أحلام الأطفال ليس إلا أضغاث، هي مجرد هلاوس، وهذاءات، دون أن نعلم كم هي هذه الأحلام من قيمة ومعنى في ضمير الحقيقة العلمية، ولا نستطيع هنا أن نقول غير أن كلما استخففنا بأحلام الأطفال، ارتجف سيجموند فرويد في قبره، وصرخ بصوت وئيد محتجاً على تقليلنا من شأن هذه الأحلام.
اليوم ونحن في سن تجاوز مرحلة الطفولة بعقود طويلة، عندما ينتابنا حلم قديم، ننتفض، ونقفز من المنام نفتش عن قطرة ماء تبلل ريقنا، وعن كائن ما كان في الحلم هو بطل الفيلم، ولكنه لمجرد أن صحونا قفز من المركب وغاص في الأعماق السحيقة وتركنا وحيدين نتساءل قائلين يالله ماذا حدث، لقد مرت سنون، وسنون، فكيف خطر ببال هذا العقل أن يجلب كائناً ربما طوته الحياة بعباءتها السوداء واندثر، ولكن العقل هو أعظم محفظة في التاريخ، إنه عقل الطفولة بحق.