مسكين ذلك الأب الذي شقي، وهو يجمع الأشياء القديمة والعاديات و«الانتيكات» من شتى بقاع العالم، ما خلّى «جوله أم إبره» ما حفي وراءها»، لم يفته أي «سيكل بيدر دبل 27» إلا وهو يلاحقه من مدينة إلى أخرى، «داس» قديم شارك في خلب نخيل العين وصعراء، وحَشّ «مسيبلو وجتّ» من ضواحي ومرايغ مزيد والبريمي، وكان فخر صناعة وحدادة «بن قاصور» الله يرحمه، حتى إنك تجد بيت ذلك الوالد أقرب «للـ «حفيز»، في حين تلمع نظرة الابن لكل تلك المساحات الضائعة من البيت بأشياء لا قيمة لها، آلة طباعة أصابعها متجمدة منذ سنين طويلة، آلة تحديد و«كوي» صدئة، مثل قطعة من سفينة غارقة، راديو بحجم «مندوس يدّوه»، خاصة وأن الابن يهوى نمط الفلل الحديثة التي لا تعترف بهذه الأشياء، ابن يرى أباه طوال حياته، وهو يجلس يتأمل ذلك النسيج الصوفي أو الحريري لسجاد يسمع أنه غال وثمين، وثقيل، يظل يمتدح ألوانه الطبيعية، والتي يدخل الزعفران وماء الورد فيها، وأنها نسجت على أيدي نساء وفتيات طاهرات تمضي الواحدة منهن ثلاثة أسابيع عمل متواصلة، لترتاح في الأسبوع الرابع، لكنه ليس بالضرورة أن يكون مقتنعاً بهذه الهواية التي يراها غريبة للأب، وأن جل أمواله ذهبت هدراً في هذا الصوف الذي يستدعي الرِمة والعتة، ويجلب الحساسية للأطفال، لذا لا تستغرب حين يودع الأب دنياه، تذهب تلك السجادات لأول مشتر محتال وصياد فرص، والذي يدرك بحدسه التجاري؛ تلك المقولة التي تزاغي قلب الولد «العاق»؛ «شو يخصني كموظف «HR» في ذلك السجاد الذي كان الوالد يعد نسيجها عقدة عقدة، وتدخل تلك السعادة إلى قلبه؟ لكنها تثقل قلبي الآن».
هوايات الآباء وتعبهم عليها، هي في الغالب مشقة على الابن ويتبرم منها، الآباء يقتنون، والأبناء يفرطون، تلك هي حقيقة جليّة من سؤالي للأصدقاء الكثر المقتنين الأشياء الثمينة مادياً وفنياً، والذين أفنوا حياتهم في البحث عن  تلك الأشياء التي لا يعدها الأبناء ثمينة، كما كان الآباء يفعلون، وحدهم الآباء الذين يحبون اقتناء السيارات القديمة، تجد لها صدى طيباً في نفوس الأبناء، وقلما يفرطون فيها، أما لوحات استشراقية، وسجادات أصفهانية، ومذهبات لخطوط «ابن البواب» فهي موضوع تربص من الأولاد، ولكنهم يسكتون عليها على مضض، لئلا تبكي عيون الآباء، أما المكتبات التي فيها أمهات الكتب، والتي جمعها الوالد كتاباً كتاباً، والتي يعرف كل كتاب في أي ركن منها، فمصيرها في النهاية «سور الأزبكية»، أو التبرع بها لمن يريد ويقدر أن يحمل، لا عزاء للآباء فيما يفرط به الأولاد بعد رحيلهم، المهم أنهم فرحوا بما اقتنوا، وأدخلوا تلك السعادة الملونة إلى قلوبهم، ولم يروا ما جمعوه يذهب هباء، وتفريطاً، لئلا تبكي عيونهم دمعها السخين عليها، وكأنهم ودعوا أعز فلذات أكبادهم.