يتذكر أبناء جيلي كيف كانت البقالات البدائية البسيطة في الفرجان تشترط على زبائنها إعادة زجاجات المرطبات بعد الانتهاء منها، ومع الطفرة تلاشت تلك الممارسة الإيجابية ذات الدلالات المهمة التي تشي بوعي مبكر بأهمية إعادة التدوير، وجاء انتشار الزجاجات والعبوات البلاستيكية ليزيد الوضع تفاقماً.
في الكثير من البلدان الأوروبية والأميركية وفي الصين واليابان وسنغافورة تجد، عند مدخل محال السوبرماركت، آلة تستقبل من الزبائن الزجاجات والعبوات القابلة للتدوير، وتطبع لهم قسائم مكافأة تتيح لهم الحصول على خصومات لفواتير مشترياتهم، ونقاطاً يستفيدون من تجميعها تشجيعاً لهم على مواصلة السلوك الراقي الذي ينم عن وعي بأهمية إعادة التدوير والمحافظة على البيئة.
ما جعلني أستذكر هذه الممارسات والمشاهد، تعقيب أحد الإخوة القراء على زاوية يوم الخميس الماضي حول مبادرة «دبي تبادر» للحد من استعمال العبوات البلاستيكية ذات الاستخدام لمرة واحدة، وعبر عن تمنيه الاهتمام بنشر ثقافة التدوير بمشاركة مختلف شرائح المجتمع؛ لأن ما يجري لا يتناسب مع ما حققته الإمارات من إنجازات ومكانة ريادية في مختلف المجالات، وهي تتبنى استراتيجيات لتحقيق مبادرة الإمارات الاستراتيجية للحياد المناخي 2050 وأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة.
في مدارسنا والحلقات التعليمية الدنيا يجري تدريس الطلاب وتوعيتهم بقضايا البيئة، ويشاركون في مبادرات تنظيف الشواطئ والمناطق البرية، بينما نجد السلوك العام في المجتمع لا يتناسب مع تلك الجهود والحرص على غرس السلوكيات الصديقة للبيئة مبكراً، حيث تجد غالبية الطلاب والمراهقين وغيرهم من شرائح المجتمع هم الأكثر استخداماً للمواد البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد، سواء الأكياس أو عبوات المياه. ونجدهم لا يتوانون عن رمي الزجاجات عند الأرصفة، وتكسيرها بما يمثله ذلك من مخاطر حقيقية على مستخدمي الطريق.
عند الإعلان عن مبادرة «دبي تبادر» ذكر المعنيون عنها أرقاماً صادمة بأن «حجم استهلاك القوارير البلاستيكية في الدولة يصل إلى نحو 450 قارورة للشخص الواحد، ما يعني نحو 4 مليارات قارورة على مستوى الدولة سنوياً، بينما تحتاج القارورة الواحدة إلى نحو 400 عام كي تتحلل، وهو ما يشكل أحد أكبر التحديات البيئية، إذ تشير التقديرات إلى أن المخلفات البلاستيكية تقتل نحو 1.1 مليون من المخلوقات والكائنات البحرية حول العالم سنوياً».
نشر ثقافة إعادة التدوير والوعي البيئي عمل ضخم يتطلب جهوداً متكاملة أكبر من الحملات الموسمية للجمعيات المعنية بالبيئة، واليد الواحدة لا تُصفِّق.