وقعت في يدي صورة للقاص العراقي والصديق «عبدالستار ناصر»، وبقيت أتأمل حركة الزمن كيف تمر على بعض الناس بسرعة مذهلة، بفعل ذاتي أو بسبب ظروف الحياة، وحظوظ البشر، وكيف بالمقابل ترى حركة الزمن تبدو بطيئة أو سائرة على مهلها على بعض الناس، يجالدون لكي يخرجوا متساوين إن قدروا مع الحياة. «عبدالستار ناصر» هذا الإنسان الجميل يمثل العراق بخيره وجماله، وبكل ما فيه من متناقضات، ترى كيف سارت وصارت حياته خلال السنوات الأربعين؟ مثلما كيف هو العراق خلالها في صعوده وعليائه، وسقوطه وتدهور مستقبله، وكيف قدر الأشرار والفاسدون أن يجروا ذلك التاريخ العظيم إلى مستنقع الهزيمة؟ وما بعدها، من تعدد الولاءات، والمرجعيات، وطرد عقوله النيّرة إلى المهاجر قسراً، والمنافي اختياراً، وما لم يأت مع الحرب، أتت به هزائم الوقت، وخرائب الزمان.
«عبد الستار ناصر» كنا نتعارف ككتّاب قصة، كان وسيماً وطويلاً، ذلك الطول الذي يليق بفارس عربي، وحين التقينا في بغداد عام 1988، فوجئنا بكاتب القصة الذي نعرفه مرتدياً زياً عسكرياً مموهاً، وربما على جنبه يحمل مسدساً 9 ملم، استغربنا نحن الكتّاب والأدباء الملتقين في مؤتمر ثقافي من الوضعية، ومن حال صديقنا، حتى كدت لا أعرفه، لولا ذلك الطول، والشارب المرتخي بهدوء للأسفل قليلاً، وشعره الأسود الطويل المنسدل بنعومة مثل نجوم السينما، بعدها عرفنا أن الكثير وفي زمن حروب العراق يرتدون الزي العسكري كتقليد من أعضاء القيادة، ومنتسبي حزب البعث، ويتبعهم بعض الفنانين والكتّاب والشعراء وكبار الموظفين، دليل الولاء الوطني أو تطوعاً خلال الحرب، وعجبت من بعض الزوّار من مختلف البلدان العربية الذين يشاركون في مهرجانات شعرية مثل المربد أو ملتقيات أدبية وإعلامية في مدن العراق، كيف يزايدون، ويظهرون تعاطفهم وتضامنهم ظاهره للعراق، وباطنه لمن سيغدق عليهم من دنانير ودولارات وسيكار ومشروب فاخر، فرأينا بعضهم يتحزم ببزات عسكرية، في الغالب إما تجدها واسعة عليه قليلاً أو ظل يحشر جثته فيها حتى بان فيها كجندي مُسَرّح لعدم اللياقة البدنية أو خوفاً عليه من الأسر في أول معركة، وبالتالي سيشي برفاق السلاح مع أول ركلة بالحذاء العسكري الخشن.
مضت سنوات الرماد على العراق من التسعين إلى الألفية إلى السنوات الأولى منها، والتقيت صديقي صدفة في عمّان، وكنت لا أدري إن كان بها أو بقي في العراق أو غيبته الحياة والمنافي البعيدة، فأحياناً لا نريد أن نسأل لكي لا نفجع بالفَقْد، لم أصدق عينيّ حين رأيته هزيلاً، منطفئ العافية، ونضارة الوجه الوردي ذهبت للون يتعاكس مع لون أفول الحياة، انطمس في رماديته ذلك الشارب الأسود المرتخي بهدوء قليلاً في تجاويف تغضن الجلد، وغارت العينان في محجريهما، وانكمش ذاك الطول بفعل قسوة السنوات الأخيرة، والذاكرة كانت أشبه بالمعطوبة، ساعتها شعرت أن صديقي مرتحل نحو زرقة الأسئلة، كيفما هو العراق ذاهب وحده لدروب مجهولة يتعكز على عصا من التاريخ.