إذا كان اكتساب المعرفة وحاسة النقد هي ممارسة البشر عامة وتعبيراً عن طموحهم للارتقاء والتطور، فإن هذا الطموح لا يتحقق إلا بمنهجية تتسم بالمرونة والحيوية والمعاصرة.
وفي عصر يلهث لاكتشاف الكون بخطى متسارعة، لن يتحقق هذا الطموح، في بعض جوانبه، إلا بتطور الخطاب المعرفي عبر لغته، وأي تغيير يطرأ على حركة المجتمع يقتضي بحكم الضرورة، تغييراً في البنى التعبيرية الأساسية.. إن القيم التي تتبدل لضرورة العصر والمتغيرات، ستبحث عن وسائلها وأساليبها التعبيرية حين لا تجد ما يلبي شرطها في بيئتها، سواء كان هذا الشرط لغة أو رؤية أو موقفاً من المحيط والحياة والعالم، وهذا ما يفسره شيوع استخدام اللغة الأجنبية بانتسابها إلى حضارة أكثر تطوراً وتقدماً في حياتنا. 
فبسبب انغلاق وسائلنا التعبيرية على مفاهيم ثابتة، جعل أغلب الأسر العربية وقد نالت شهاداتها العليا من الدول الأجنبية، أو أنجزت تخصصاتها، لأنها أصبحت لغة مشروطة للتعبير عن الحياة البشرية في تعاملها مع اليومي المعاش، وخطابها الفكري والجمالي، حتى أصبحت أجيالنا ترى أن لغتنا العربية بدلالاتها البلاغية أصبحت لغة زمن مضى لمجتمع لا بد أن يتغير، وليس لهم الآن غير الكتابة باللغة الأجنبية كخطاب معرفي حديث، يعبر عن حياتهم ورؤيتهم وموقفهم من الواقع والوجود.
حاولت الحداثة في مشروعها الثقافي تغيير دلالات اللغة العربية، لتفعيلها وإكسابها مرونة تؤهلها لهضم المعرفة الجديدة، وتمثلها في صياغة تلائم الطموح والتغيير، إلا أن الحداثة اتهمت من قبل البعض وجعلت من المعبرين عنها بشراً غرباء غايتهم هدم المرتكز الأساسي.
هؤلاء المعبرون عنها بشراً غرباء في واقعهم، غايتهم هدم المرتكز الأساسي للهوية العربية، لكن ظواهر الاختلاف ستبرز دائماً بين الثابت والمتحول في واقع هيأته ظروف تطورية معاصرة، ولعل الكثيرين من كتّاب المشرق العربي يقرؤون ويرون العالم من خلال لغة وثقافة أخرى!، ومن أبرز الظواهر في حياتنا الثقافية، ما نلاحظه من لجوء الباحثين والدارسين إلى المراجع الأجنبية لتفسير الظواهر التي تنبع من الواقع العربي، وحتى حين يجري الاستناد على رأي مفكر عربي معاصر فإن ذلك المفكر قد استند في موضوعه على المرجعية الأجنبية.
لذا تبدو البحوث في أغلبها يغيب عنها رأي الباحث الصريح، ووجهة نظره الخاصة!، صحيح أن أية معرفة إنسانية تنبع من حضارة ما، تصب في مجرى الحضارات الإنسانية عامة، إلا أنها حين تصير هي المصدر والموئل الأساسي لفهم وتفسير حضارة أخرى، فإن فجاً عميقاً يكون قد شطر الحضارة تلك عن منبعها..!