بالأمس بينما كنت أرمم بعض زوايا البيت، قلت لولدي: كم أتمنى يا ولدي أن أبني لي بيتاً أوغرفة من الخشب.. ضحك وقال لي: بدائية أنت يا أمي تعشقين الطبيعة والأشجار والخشب، قلت له: لكن الإنسان كان يبني بيت الطمأنينة والأمان من سخاء الخشب، قبل حضارة الحديد وسطوة الطابوق والإسمنت التي تسورنا كالحصار وتفاجئنا كالفجيعة.. الخشب يا بني، أينما يكون، جذعاً متوجاً بالأغصان، ناهضاً يستقبل البروق والرياح وطلاسم الفصول، أو فروعاً تتمايل في الهبوب الرخي، تغري الطيور بالأعشاش والتغريد، أو قطعاً متناثرة في ضجة البناء، أو شاهقاً متعامداً يسند قامات الحجر، أو منجرفاً في عنفوان السيول، أو طافياً تائهاً يتأرجح في اندفاعات الأمواج، أو لائذا كالغريب مرتطماً بالشواطئ وعائداً إلى الضياع.
أينما يكون الخشب يا ولدي يغريني بالشاعرية والإبداع!، لرائحته يتطاير رذاذاً وشظايا تحت قسوة المنشار في المناجر، اختمار الغابات وعبق المياه الخفي، لصمته الاحتمالات كلها!، يا لطاعة الخشب واستسلامه يا ولدي، كأنما في طبعه الصلصال حين يخرج من سديمه ليبدع به الإنسان أدواته الحميمة الأليفة، وحين يتأوه متشظياً تحت إزميل النّحات ليخرج عارياً من سذاجته، يماهي الكائنات في الجمال والبهاء والفن، لهدوئه صقيلاً لا مبالياً بمن يشتريه ويبيعه في متاجر البناء، إغراء الوعود بالسرير والكرسي وأرفف الكتب والباب والسياج والنافذة، لملمسه حنو البيت، لملمحه بهجة الجمر ودفء اللهب، لسرِّه غموض النار واشتعال الحنين.. الخشب حبل سري بين الموت والحياة، بين البدائية والحضارة، بين الغرق والنجاة.. الخشب كان مهد الطفولة، والخشب التابوت، وبين المهد والتابوت أسرّة للحب، ودنان للمسرات.
قال لي ولدي: من أين نأخذ الخشب يا أمي؟، قلت له: من هذه البذرة، قال: لا تسخري مني.. فكيف نأخذ الخشب الكبير من هذه البذرة الصغيرة؟، قلت له: من أين إذن يا ولدي؟، قال: لكن المعلم قال لنا إننا نأخذ الخشب من الشجر، قلت: ألم يقل لك المعلم من أين يأتي الشجر؟!.
قال: ماذا كان الإنسان سيفعل يا أمي لو لم يكتشف الخشب؟، قلت: كان ما زال يسكن الكهوف يا ولدي، ولم يكن يعرف كيف يحيي النار بعد موتها، وكيف يبحر للبعيد ويعشق اللؤلؤ والمحيط والمرافئ والسفن، وكان سيزحف على أربع قبل الأفول لو لم تشد قامته المنحنية يد الخشب، كان الخشب تبنى به الأكواخ يا ولدي كما كانت تبنى به العروش، الخشب يصنع منه السوط، وتصنع منه أسجية الحصار، الخشب كان السلالم للصعود وللهبوط، لملمسه حنو الأمومة حين يكون الحب، وسلطة الأبوة حين يكون الرفض والعقاب.. الخشب كان السقوف، والخشب كان الورق، وبين السقف والورق ثمة معانٍ حارقة كسطوة اللهب، وثمة معانٍ كالزبد، وأين ما التفت وتساءلت يا ولدي ستجد الجواب في أعجوبة الخشب..!.