أتذكر في الصف الثالث إعدادي في منتصف السبعينيات أني تعرفت لأول مرة على مناسبة المولد النبوي الشريف، والاحتفاء به، وكنت في عمر يميل وقتها لبدايات التدين، حينها كتبت أول مقالة أو كلمة، وألقيتها لأول مرة في جمع غفير من الطلبة والمدرسين ووعاظ من وزارة الأوقاف، وكانت بعنوان ما زلت أذكره، «حاجة الناس إلى الدين»، كانت لدي رهبة في مواجهة الجمهور لأول مرة، وفيهم كان أبي، فتماسكت محاولاً ضبط رجفة الورقة في اليد، بتثبيت قدمي على الأرض بقوة، متحاشياً النظر في عيون الجالسين، وخاصة الذين في الصف الأول، وحدهما عينا أبي كانتا ملاذاً لذلك الهروب، استمرت الكلمة دقائق فوق الخمس، ارتكبت فيها خطأين متداركين بسبب السرعة، وكدت مرة أضيع بين السطور، لكنها لقيت استحساناً من مدرسي اللغة العربية والتربية الإسلامية والمدير، فيما عدّها أبي جزءاً من خريط ابنه البكر، لأنني حشرت فيها أقوال الكثير من الفلاسفة في حاجة الإنسان للتدين، لم تعجبه إلا الفقرة الأخيرة عن مولد سيد البشرية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، هذه الورقة ما زلت أحتفظ بها، وبصورتي في الجريدة والمجلة رغم مرور 45 سنة عليها. 
كانت تلك المقالة أو الكلمة هي النافذة الأولى التي أطللت فيها على الناس بالقلم والحضور المسرحي، وعرفت معنى الاحتفال بالمولد النبوي الشريف.
بعدها أتاحت لي الأسفار رؤية الاحتفال به في مصر، حيث حضرت الليلة الكبيرة، وذلك المولد المكتظ بالبشر وألاعيبهم وعشقهم وغناءهم، صدقهم وحقيقة سرائرهم، كانت طقوساً خاصة بمصر تختلف عن طقوس الاحتفال به في دول المغرب العربي أو الاحتفال به في إندونيسيا وماليزيا أو في الهند وباكستان خاصة، في حين في دول الخليج يتسم الاحتفال بالبساطة والهدوء، ويقتصر على «المالد» دفوفه وأذكاره وولائمه، الاحتفال بالمولد لقي تشدداً عند بعض الجماعات الدينية وعدّوه بدعة، في حين أجاز الأزهر الاحتفال به وعدّه شيئاً في محبة الرسول الكريم وتذكّر مولده، مستشهداً بما روي عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه قال: «سُئِلَ صلى الله عليه وسلم عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ؟ قَالَ: ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ - أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ».
لكنه كطقس اجتماعي، وفرح جماعي ظهر متأخراً في العصور الإسلامية، البعض أرجعه إلى العصر الفاطمي، والبعض يعد الأيوبيين هم أصحاب هذا الاحتفال المنتظم كل عام في وقت صلاح الدين الأيوبي، والملك المظفر أبي سعيد كوكبري في أربيل، حيث يتم الاحتفال سنة في 8 ربيع الأول، والسنة التي تليها في 12 ربيع الأول، حيث الاختلاف في تاريخ ولادة الرسول الكريم في حين يحتفل السُنّة في 12 ربيع الأول، والشيعة 17 ربيع الأول.
وفي زمن العصر العثماني عظمت تلك الاحتفالات، وصارت أقرب للبهرجة السلطانية، واستعراض قوة السلطنة الإسلامية بجيوشها، وأبهة سلاطينها، وثيابهم الفاخرة المخصصة للاحتفال بالمولد النبوي، والولائم الخاصة والعامة، وقد يستمر هذا الاحتفال أياماً، بعدها احتفظ المغرب وحده بهذا الاحتفال الرسمي، وما يصاحبه من طقوس متوارثة، في حين ظل الاحتفال في بقية البلدان العربية والإسلامية يأخذ طابعاً اجتماعياً بحتاً، وفيه الكثير من البدع والمظاهر التي لا تليق بهذه المناسبة الشريفة.