للبحر أنياب ومخالب، ربما تلاشت «الحالة»، جزيرة الكائنات الخفية، إثر انعطاف البحر على ضلعها، ثم استدارته حول خصرها، ثم ارتكابه الجريمة الآثمة عندما اقتحم حدودها، مغرقاً سحيم رملها بالملح حتى فقدت الحالة وعيها وهي تغطس تحت ملاءة البحر السميكة، وتنتهي إلى لا شيء.
اليوم، تقف أنت المعنى بالتفاصيل، عند قارعة تحاذي الساحل، تتأمل المشهد، فلا ترى غير أثر من بعد عين، لا ترى سوى لسانٍ بحري يمتد كأنه سحابة قاتمة، تغط على أجنحتها زوارق أشبه بالقطط المريضة، وإلى الجانب الآخر هناك يستلقي مبنى للزوار، وكأنه تمساح يبحث عن فرائس، كأنه وحش متضور يلبد تحت قبعة السماء الرمادية، متحيناً مجيء عابري السبيل، ومشردي القارات الخمس. الأفكار التي تنبجس من مخبأ الرأس، تتناثر مثل حشود النمل، وتسقط طواعية على بساط الوعي، تحرضك، وتدعك جفنيك كي تتفحص جزيئات المكان الغائب، وتمحص، وفي قلبك غصة.لماذا الأشياء هنا تتوارى خلف الحجب، وتنتهي إلى اللا شيء. لماذا الذاكرة هنا مثل منخل، يلفظ الرمل النقي، ولا يترك سوى النفايات التاريخية، تعج بها حياة الناس؟ تنتابك قشعريرة وأنت تداعب بأطراف أصابعك محارات فرغها البحر من محتواها، فترفع قدميك، تغادر البحر، ولكنك لا تساوره إلا عن لوعة تمكنت، واستحكمت ووثقت رباط حكمتها في ذروة القلق.
تفكر في الحالة وتبدو أمامك وكأنها لم تزل حية ترزق، تفكر في ذاك الشهم النبيل، راشد الشمعي، كان في الليل يفرش إزاره، ومخدته ساعد مطوي تحت الرأس، كانت الثعالب تهاجم الحالة بحثاً عن فرائس، وكان الشمعي لا يتوجس من وجودها، بل كان أولئك اللصوص الصغار، يتسللون، ويتوسلون لليل كي يرخي أستاره، ويخفي أذيالها الوبرية عن عين راشد الشعمي، والذي كان يصطادها ليس لحاجة، وإنما للتسلية، وكان الرجل تحت جنح الظلام يبدو أسطوري السلوك في مجازفاته، الأشبه بالمغامرة، حيث المكان الموحش، واللسان الرملي المنعزل، ومخلوقات تؤم الجزيرة، يدعوها البسطاء، إنها من أهل الجن، ولكن الرجل بسجية الفرسان، يسكن المكان بنفس مطمئنة، وروح رخية عفية، صفية، رضية، بهية، يمارس حياته، كما هو قاربه الصغير، يحرس الجزيرة، وينادم كائناتها البريئة، حتى تفرج الشمس عن أهدابها الذهبية، وتلقي بقصيدة النور على جين الوجود، ينهض الشعمي، ليلقي أول صنارة تعانق شفة الماء، وتسرد قصة البحث عن الذات، لرجل عشق ملح البحر، وأحب رائحة عشبه.