السفر يعلمك القراءة، والقراءة بعمق، خاصة ما يخص المكان، ويخص الإنسان، فالوجوه الإنسانية من أكثر الأشياء التي تحتاج إلى تأمل وقراءة متعمقة، لأنها كل الأسرار الدفينة والمتجددة، وفي قارة أوروبا العجوز ثمة حزن بطيء على وجوه الأوروبيين، يتراءى لي في سفراتي المختلفة، خاصة أولئك الجادين، والذين ينهضون لأعمالهم من فجرهم القارص، وكانوا قد واجهوا بعد الحرب العالمية الثانية أموراً بشعة، ظلت معهم طويلاً، لا يدري الغريب عنها، ولا عن سبب تلك الكآبة التي تكبر يوماً عن يوم، ربما مردها الضرائب التي تشعرهم بالغبن دائماً، وتشعرهم أنهم يعلفون بقرة لن تشبع أبداً، ولن تسمن في قادم الأيام، ربما مردها للشتاء القاسي، ومغيب الشمس عنهم لأشهر، مما يدخلهم في الحزن الضبابي، والليل الطويل، وخفوت الإضاءة، والتي تعالج نفسياً بإشعال إضاءة البيت لوقت أطول أو تركيب إضاءة مختلفة تشعرهم بوهج النهار، لكنه حتى هذا العلاج مكلف على الأوروبي لغلاء الطاقة، وفاتورة آخر كل شهر.
البعض يرجع هذه الكآبة لعدم وضوح المستقبل، والخوف من فقدان مصادرهم المالية الثابتة، لذا تجدهم يتعبون كثيراً في يومهم، وخاصة النساء، ولا فرج لهم إلا نصف السبت ونهار الأحد، لذا تجدهم يغيبون في فرح وبهجة مبالغ فيها، لكنهم يتمنونها أن تمدهم بطاقة طوال أيام العمل، وحدهم الإيطاليون والإسبان يضربونها بكعب اللامبالاة، ولا يجعلون الأمور تثقل طبيعتهم المرحة، وما يتصف به مناخ حوض البحر الأبيض المتوسط الذي يطبعهم بطابع حب الحياة، ولو بأقل الأشياء، لا يشذ عن تلك القاعدة إلا مشهد وجوه اليونانيين التي تشبه الزمن البعيد، والتعب التاريخي.
هناك سبب قد لا ينتبه له الأوروبيون، ربما لطبيعة حياتهم، ومستلزمات مجتمعاتهم، وهو الدفء العائلي، والمشاركة الجماعية في فرح أو حزن، دائماً ما يشعرك الأوروبي أنه وحيد في مشوار حياته، لأنه يخاف من الالتزامات العائلية، وخاصة المالية، والتي تخص الوقت، لذا يفرض على نفسه الاستقلال منذ بواكير الشباب، وهذا أمر مفيد لحد ما، ولكنه مع الوقت يصبح نوعاً من العزلة الاجتماعية، لذا يحب الأوروبي الهجرة، ويتلهف لأي عمل في الخارج، فهو يظل محافظاً على استقلاليته، وعلى نوع من العلاقات الاجتماعية المحدودة، وتكوين أسرة صغيرة ربما أو يعيش حياة عزوبية طويلة، مكتفياً بعلاقات المشاركة مع الجنس الآخر، دون التزامات العائلة، وأمر آخر مهم يمكّنه من التهرب بشكل قانوني من الضرائب، وتخفيف الضغوط اليومية التي تفرضها الحياة في أوروبا، والتفكير في كل شيء بـ«اليورو والسنتيم، والجنيه والبنس»، وتأمين المستقبل الذي يخافه كثيراً، خاصة الإنجليز.
هناك ثمة حسد لم يكن موجوداً في حياة الأوروبي قديماً، ربما لم يكن أمراً ظاهراً، إلا كطبيعة إنسانية، اليوم الأوروبي ينظر للآخر بحسد، وغل واضح، خاصة من المهاجرين إليهم من المجتمعات الفقيرة والمختلفة عنهم عرقاً وديناً ولغة وثقافة، الأمر الذي انعكس على علاقاتهم مع نظامهم السياسي والاجتماعي، لذا هم اليوم يشتهون التغيير بين كل فترة وأخرى، لعل بارقة من أمل تزيح تلك الكآبة التي تكبر، والحزن البطيء الذي تسلل لحياتهم المنعمة، وحريتهم التي دفعوا ثمنها دماً سال على الطرقات والساحات العامة!