كانت غرف وشرفات دافئة في مدن العالم، فيها النعيم وطعم الرفاهية، لكنها رغم كل ذلك، لم تكن الباذخة مصدراً للسعادة، ولا المنكوبة عنواناً للحزن، فهذه أشياء ترتحل مع الإنسان، وما يمكن أن يحمل ذلك القفص الصدري من فرح ومشاعر متباينة، وبرودة كلمات، ودموع تذكر وحنين:
- غرفة تطل من علٍ على الـ«هاربر» في مدينة «هونغ كونغ» الصاخبة كعجلة دوّارة، صديقة الضباب، والأبراج العالية، لا يمكن أن تشعر فيها إلا بكونك موظفاً متأخراً أو مصرفياً أوضاعه متعثرة، وأنك عرضة للإفلاس في أي لحظة، كانت وسحب الضباب جارين، في تلك الغرفة تداعت كل المدن عدا «هونغ كونغ».
- غرفة أميركية في تلك البيوت التي لا تعرف إن كانت مبنية بالطابوق أم بالخشب أم هناك مزاوجة بينهما، فيها المتسع كله، وما يحتاجه الإنسان العصري المعتمد على نفسه، بما فيها تلك الغسالة التي لا تعرف التعامل معها بصدق، تطل على حديقة، وعشب أخضر، وسناجب لا تنام الليل، وثمة طيور غريبة مهاجرة لبعيد، فقط ما كان ينقص تلك الغرفة، أن شرفتها ظلت طوال الوقت بلا ضجيج، ولا حس امرأة فيها العافية.
- غرفة في جنيف، وجنيف في تلك الغرفة، والنهار وحده ليس له معنى، وقد يكون الليل هو كل الوجد والشجن، يتداخل ظل الشمس وقبس النجم، ويكادان أن يتماهيا في تلك الغرفة والشرفة التي في جنيف، والتي أضاعت التوقيت المنضبط للساعات السويسرية، وأصبح الزمن منسكباً مثلما هي ساعة «سلفادور دالي» المائعة.
- غرفة في نزل بشباك خشبي، لا حظّ لها أن تطل على صبح دمشق، ورائحته الياسمين، يشعرك أثاث النزل أنه لأرملة مسيحية مهاجرة، ولن تعود، وأوكلت للفرّان أن يديره، ثمة رطوبة مستكنة وساكنة، وأمامك شرفات كلها ملابس رطبة، رخوة، وتحتك سيارة عسكرية خضراء رابضة على النفس، ولم تتحرك منذ يومين، أصوات، وسباب مارين، وحشرجات تبغ رخيص، ومشاكل قصب وشُعب هوائية، ثمة بؤس كان ساكناً هناك، وتشعر بضيقه كلما دنّ المساء.
- غرفة ألمانية، بلا شرفة، حديد وصلب ونافذة محكمة الإغلاق، لا شكلَ هندسياً صديقٌ قد تحبه، نظيفة حد أن تكرهها، أثاثها متين، لكنه لا يوحي بالطمأنينة، معظم الأشياء فيها مسطحة، لا تختلف كثيراً عن غرفة مهندس في موقع عمل مؤقت، كانت باردة للغاية حدّ تلاقي أضلع الصدر.
- غرفة في منتجع بجزيرة «بالي»، غير البحر وزرقته، كان هناك شجر أخضر ويقطر ماء وندى على الدوام، وثمة صخور ملونة لامعة، وكراسٍ من قش وخيزران، وطيور فرحة، وروائح لبخور المعابد، واحتراق أوراق لها صفة الغواية والسحر، وذاك الأكل الذي يأتي على ورق الموز والمانجو، لها صباحات لا تمل، لولا تلك الريح الساكنة التي تجلب الرطوبة لكل شيء حولك، فيتحول إلى شيء رخو لا تعرف ما هي طبيعته.
- غرفة على النيل، شرفة على النيل، وتأملات لخطى الناس التي لا تتوقف، ووجوهها المتعبة، المنهكة، الضاحكة، وضجيج تعودت عليه، واحتفاء مفرد بصيغة الجمع لكل اللائي زخرفن حياتك بلون مختلف، وكان النيل شاهداً، غرفة ظلت تنادي حضورك وأطياف من يشبه عطرهن شيئاً من الورد والدراق والياسمين، ممزوجاً ببتلات التبغ الأخضر، ونكهة القهوة التي تضفي على العطر شتاء غير متوقع.