لفترة من الزمن، تمكن المتزمتون من التوغل، في أعماق البحيرة العقلية، وشوهوا الوعي وأطاحوا بعزيمة الإنسانية، وهدموا أعشاش الطير، ورموا في الطريق أحجاراً تعثرت بها أقدام الذين ينوون السفر إلى الأحلام الزاهية.
من يقرأ التاريخ يعرف جيداً ما للدين من أهمية في حياة الناس وفي تدبير شؤونهم، الأمر الذي وجد فيه المتزمتون الفرصة في الاحتيال، واحتلال مساحة واسعة من وجدان الناس، وبسط نفوذهم على الإرادة الشعبية، بعدوانية بغيضة، مغلفة بقشرة سميكة من النفاق، والدجل، والجدل العقيم، والصور الهلامية التي كانوا يشيعونها عمن يختلف معهم، أو يقف مسنوداً بعلامة استفهام ضخمة حول ما يسوقه هؤلاء المرابون، والساعون إلى اختطاف الأوطان، والذهاب بها إلى المجهول.
نحن نفهم أن الأديان السماوية جلها جاءت نقية طاهرة مثل ماء المطر، ولكن عند نزولها الأرض، وعندما أمسك بها الضمير البشري، أحط بها وأسف، وتعسف، وسفسف، وخسف، وأرجف، لأن الأرض البشرية مليئة بطين (الأنا) مزدحمة بالحثالة، الأمر الذي حول الدين إلى عبد للدنيا، وصار المهاترون سادة يجوبون البقاع، حاملين معهم تجارتهم الفاسدة، مزينة ببهارات تمنع بروز الرائحة النتنة من تلك البضاعة السيئة.
اليوم أصبح العالم على بينة مما يفعله هؤلاء، والشواهد على أفعالهم باتت صريحة، وفاقعة اللون ولا حاجة للتأويل، أو التدليل، أو حتى الكثير من الأقاويل، فنحن أمام ظاهرة تسفر عن أخطائها الفادحة، عن طريق الممارسات البذيئة، والأفعال الشنيعة من تدمير، وتخريب، والعبث بحقوق الناس الآمنين، وإزهاق الأرواح، ونشر الفوضى، وإشاعة الذعر، وإرباك المجتمعات، وتحريك عجلة التطور إلى الوراء، بفعل ما تقوم به هذه الجماعات من ذر بذور الشك في النفوس، وجعل الناس في حالة خوف دائم من ممارسة نشاطهم الإنساني.
وبعد سنوات من الخداع البصري يستيقظ العالم على صورة الكذبة، ويرفع رأسه ليرى أن كل ما كانت تصوره تلك الفرق المنظمة تنظيماً دقيقاً ليس أكثر من فقاعة خارقة، استطاع البشر أن يستوعبوا دورها الهدام، ويقفوا موقفاً صاحياً من كل هذه الخزعبلات، ولم تعد اليوم إشارات الاتهام تتوجه إلى دين معين، وإنما التهمة واضحة، ومن يرتكب الجرائم بحق الناس أجمعين هم كل متطرف، مصاب بعصاب قهري مميت، وما الدين الذي يبديه إلا قناع السوء.