لما يطلب منك بعض أصدقائك العطاشى آخر الليل «كرتون ماي صحة»، وأنت لا تعرف في تلك الأمور التي يتقنها آخرون بحرفية متناهية، يعني مثل سعر ربطة الخبز أو «كرتون ماي الغراش» أو سعر أسطوانة الغاز أو كم تسعيرة البترول هذا الشهر أو في الأشهر الفائتة، أشياء صغيرة ومهمة ولكني أجهلها وأخجل أن أسأل عنها، وإن عرفتها مرة، فسرعان ما أنساها أو أتخربط بين الاختيارين اللذين في الرأس، وأعتقد أن كليهما خطأ، المهم بعض الأصدقاء متعبون فعلاً، ويحرجون جهلك بتلك الأمور، فكل شيء عندهم يعتمد على مبدأ، «العن أبو الفقر، وفالكم طيب»، يعني مثلاً، ما دامك في أبوظبي اخطف على مخبز «زهرة السعادة» وهات لك كم ربطة خبز، كل هذا على أساس أن مخبز «زهرة السعادة» جاري أو أني كثير التردد عليه، خاصة وأنا ما زلت مخلصاً لمسميات شوارع أبوظبي في السبعين، طلب أصدقائي المتعبين هذه المرة «كرتون ماي»!
تدخل على وجهك أول بقالة تصادفك في الشارع، وتجد ثلاثة أنفار من الساحل المليباري يتشابهون، أحدهم نسيب الآخر، ولا يكن وداً لأخته التي تغيرت بسرعة بعد أن تزوجها معتقداً أنها تشبه ممثلات أفلام بومبي، والآخر يحاول أن يبني أولى علاقاته الغرامية بعد أن استقر في الخليج، المهم تدخل وأنت في كامل لياقتك البدنية والنفسية متحصناً باللغة، وبالجهل عن سعر «غرشة الماي»، فتنتقي أضعف واحد فيهم، وتسأله، مشيراً بأصبعك دليل الثقة لتوهمه وترهبه: «كم سعر كرتون مثل تلك القنينة»؟ وحين سمع القنينة، أدرك جهلك، وكاد يسمن وقتها، وقال بسرعة خاطفة: «الكرتون بـ 36»، وانصرف لخدمة زبون آخر، وطلب من الشخص الثاني أن يحضرها، وحين أحضرها الثاني، والذي ما أزال أعتقد أنه على وشك فراق قريب من زوجته، طلب 42 درهماً، فأضمرتها في نفسي، وحين وصلت للثالث المحاسب قال: «خذ كرتونين بخمسين درهماً، أحسن لك»، فخطر ببالك، أن ليس كل الماء بسعر واحد، فلكل كرتون سعره، ولم تدرك كيف كانوا يتلاعبون بك، لاكتشافهم جهلك لسعر شيّء معروف، وأحياناً يبيعونك بسعر السيارة التي تركبها، وأنت بطيبة نيتك كنت تعتقد أن: (الماء اليوم اختلف، فهو ليس بـ «الوَرّة» أو تأتي به «فوزه» يسوقها أحمد الصومالي الطيب، الآن الماي في زجاج شفاف، والشفاف شغل غراش، والغراش مب بلاش، وقلت متفكراً في زمنك ووقتك: ربما سعر ماء «الخريجة» يختلف عن سعر «ماي الفنطاس»، والذي كنت تشربه من «ولف بن هَيّاي» في طريقك إلى أبوظبي يختلف عن «ماي صحة لبنان»، الحين الزمن تغير، والماء بعد تغير، وتساءلت: لو كان ماي شريعة الهيلي وإلا المعترض صَبّوه في غراش، لكانت يغمة الماي بذيك الحجيّه، رحم الله أيام اليحله، وحِبّ الماي في الظلة، زمان اللي يشرب من «الجيك» يعتبرونه فناناً ومثقفاً، وصار اللي يشرب من ماي صحة لبنان يعتبرونه راقياً، ومن قوم هلو بيروت من فضلك يا عينيه)!
خرجت من تلك البقالة، وأدركت أن كل الأشياء تغيرت بما فيها الماء، إلا أنت باقٍ على وطرك الأوليّ، وعلى مسميات شوارع أبوظبي في السبعين، وعلى السعن القديم!