عاينت قواربه العتيقة التي أكلتها حرارة شمس الإمارات الحارقة، تبدَّل لونها وزال بريقها السابق، ودهان (الصل) اختفى تماماً من بدن الزورقين العتيقين اللذين لم يعد فيهما شيء من قوة الأمس، يحتاجان لعناية كبيرة وإعادة ترميم وإصلاح ما أعطبه الوقت، ومع ذلك ما زال عبيد يحرسهما وكأنهما الأبناء أو الأحفاد، كل صباح يخرج من منزله المقابل للبحر ليقبع قليلاً في خيمته العتيقة والمجاورة للبحر والقوارب الخشبية، والصديق عبيد كلما عنّ عليه البحر والإبحار، يطرق باب منزلي المجاور له، ويعيد فكرته العتيقة، ويزيّنها كل مرة، ويعيد برنامجها وسيناريو فكرته، إمعاناً في إقناعي أن أوافق على تلك الفكرة التي أجدها متعبة وصعبة التنفيذ، ربما في هذا الوقت والزمن، ولكن هذا البحّار الغارق في أحلامه وتخيّلاته البحرية التي ورثها من أهل البحر القدامى لا تفارق رأسه، يأتي بأفكار بحرية جديدة، كأن أذهب معه في قارب صيد إلى أم القيوين وجزيرة السينية بالذات، أو عبور خور أم القيوين لمناكفة الأصدقاء وزملاء الدراسة هناك، وتحديهم في الصيد والمناورة بالزوارق، وعلى الرغم من أن هناك صيادين مهرة، خاصة في صيد أسماك البياح، حيث موطن هذه السمكة الجميلة في جزيرة السينية وبحر أم القيوين، ولكن هذا البحّار المحب للبحر والصيد لا يتنازل عن التحدي، كل مناسبة يغير على الأصدقاء هناك، ويقيم معركةً كلاميةً وتحدياً في الصيد، ويعود منتشياً في هذه المناكفات الأخوية إلى أم سقيم/‏ جميرا.
وسريعاً ما يعاود طرح فكرته بإصرار بأن نذهب في قارب شراعي إلى جزر أبوظبي الكثيرة والجميلة وعلى الخصوص مناطق الياسات والخيران.
هذا البحّار المتحدي للبحر والصيد والإبحار عدَّل من فكرته لتنفيذ الرحلة بفكرتها القديمة؛ أي أن نبحر بقارب خشبي مع شراع فقط على خط سير أهلنا البحّارة القدامى.
وفي محاولته الجديدة لتعديل فكرته اقترح أن نصحب محركاً مع الشراع، بحيث نستخدمه في حالة الحاجة ومعاكسة الريح، ومع ذلك ما زلت أدرس وأفحص هذه الفكرة غير العادية في زمن الزوارق الحديثة والسريعة وفخامة المكان وأمنه وأمانه، كل يوم أطوف بالقوارب الخشبية التي ترتاح خلف منازلنا، وأفكر في هذه الألواح التي أتعبها البحر ولم يعد لها قدرة غير أن تكمل استراحتها الطويلة، أما الإبحار بها فإنها فكرة خطرة وقد تكون رحلتها الأخيرة، لا أود أن أوافق صديقي عبيد على مقترحه، ولكن لا أرفض الفكرة من أساسها، فهي بالتأكيد ممتعة ورائعة إن كانت بزوارق غير التي أشاهدها والتي مازال صديقي يثق في قدرتها على الإبحار.
أجمل ما يعجبك في هذا الصديق والأصدقاء في أم القيوين أنهم عشاق الماء/‏ البحر، هم ورثته منذ الأزل وما زال يلمع في عيونهم موج البحر وهبوب رياح البحر، إنهم نوارس الشتاء البيضاء، وأجنحة الحب للصداقة والزمالة التي امتدت طول هذا الزمن الكبير وتبدلات الناس والظروف والحياة، وحده البحر وأهله دائماً يحملون صفاء الماء/‏ البحر.