عندما تنظر إلى شخص ما، وقد وضع الكمامة عند مرفق اليد، وسار في الشارع المزدحم، وكأنه جمل يخب في بيداء، وغير مبالٍ بما يحدث في الواقع من أرقام متصاعدة لمرضى أطاحت بهم الجائحة بعد إهمال، واستسهال ما يتفشى في العالم من وباء خطير، هنا تشعر بأن المرض أصبح مجرد نزهة، وأن الموت مثل الحكة تحت الجلد، تجعل الفرد من هؤلاء يسعى إلى فرك الأظافر على الجلد حتى الإدماء. حالة من اللاشعور تنتاب هؤلاء ومسعى باطني يدفع بالتي هي طامة كبرى في نهاية المطاف. عندما تفكر في مثل هذه الحالات الفانتازية العجيبة، تشعر وكأنك تحفر في أرض مبللة بالندى، ولا تلقى الجواب.
فالجهات الصحية تحذر، وتنبه، وتضع كل الوسائل الحمائية لدرء الخطر ولكن لا جدوى، لأن هناك أرواحاً مدفوعة بعجلة باطنية تقود إلى مناطق هذا الخطر، فنجد التجمعات البشرية، ونجد المساعي الحثيثة لالتقاط الأنفاس في أماكن موبوءة، وملوثة صحياً، نجد فوضى العلاقات، والاجتماعات، والزيارات، واللقاءات تعم وتضم مجموعات من البشر الذين غاب عنهم الوعي الصحي الذاتي؛ لأنهم اختاروا طريق الزوال، ومفضلين النهايات المأساوية على الحياة الطبيعية التي تزهر في كل مكان لا توجد فيه مثل هذه السلوكيات المريضة.
وقد أوضحت لنا الجائحة أن الأشخاص الذين يصابون بهذا الوباء اللعين، لديهم الرغبة الكامنة بالإصابة، وهؤلاء واقعون تحت شرارة حامية من رغبات الموت. ولأن الإنسان مدفوع من رغبتين، وهما الموت والحياة، فهناك أناس تكون لديهم رغبة الموت عارمة، صارمة، لا تسمح برؤية العالم وهو في مراتع الحياة والبهجة، ولا تدع طريق الحياة يتسع في عيونهم، الأمر الذي يجعل الإصابة بالوباء حالة بدهية؛ لأن رغبة الموت، أقوى من رغبة الحياة، وكم نحن الآن بحاجة إلى توافر الجهود لمعرفة الأسباب الدفينة وراء هذه الاندفاعة القوية من أجل الموت، وليس من أجل الحياة.
الحياة بسيطة، ورائعة، ومهمة، ولكن البعض لا يراها كذلك. البعض وبرغم من كل الإرشادات يفعل كما يفعل الرضع، يندفع بقوة نحو نار الوباء، ويكشف لها عن رغبة كامنة في الإصابة، وعندما يسأل عن السبب، لا يرد إلا بابتسامة باهتة، وردود غامضة لا يفهم منها سوى أن هذا الشخص يريد أن يموت.
(نحن بحاجة إلى محللين نفسيين أكثر من أي شيء آخر، ليمدوا لنا يد العون في معالجة هذه الظاهرة الغريبة والعجيبة).