في أحد أكثر المشاهد المؤثرة والعالقة في ذاكرتي من فيلم «Hidden Figures» -رغم مرور ما يزيد على 4 سنوات على مشاهدته- كان ذلك الموقف الذي ردت فيه «كاثرين» على مديرها «آل هاريسون» عندما عنفها على غيابها يومياً لما يزيد على 40 دقيقة، في وقت هم فيه في أمس الحاجة إلى كل دقيقة عمل، وذلك زمن سباق الولايات المتحدة المحموم ضد الروس للوصول إلى الفضاء. استغرقت العالمة ذات الأصول الأفريقية تقريباً 58 ثانية في ردها «المشحون بالألم» أين تكون خلال هذا الوقت، موضحة أنها تضطر لمغادرة المبنى الذي فيه مقر عملها إلى آخر مجاور يبعد ما يقارب نصف الميل (800 متر) لتقضي حاجتها، إذ لا يوجد حمام مخصص للملونين في ذات المبنى!
...............
«لا يوجد حمام في الجوار».. قالتها بكل ألم السيدة التي حلت معادلات رياضية معقدة، تنبأت فيها بأوقات الإطلاق والهبوط المناسبة والخاصة بالملاحة الفضائية التابعة لوكالة «ناسا» في نهاية خمسينيات القرن الماضي، قبل تقدم الحواسيب في هذا المجال. بالتأكيد، لم يكن الأمر سهلاً عليها أن تتلفظ بهذا الأمر -الذي يخجل من الحديث حوله أغلب سكان الكوكب- أمام رئيسها في العمل؛ كونها أولاً امرأة، وثانياً: كونها اضطرت لقوله بشكل علني في مكان يمتلئ بالزملاء الذكور «البيض» ممن يتعاملون معها أساساً باستعلاء. كان هذا بمثابة ثورة حقيقية، نتج عنها فيما بعد فرض سياسات حدت من مظالم الفصل العنصري في «ناسا»!
...............
في الثقافة العامة لمجمل سكان الأرض، يبدو الحديث عن هذا النوع من الأمور غير مقبول، وفي الثقافة العربية عادة ما نستخدم الإيحاءات والتوريات والمفردات الغامضة لمداراة الأمر وكأنه أمر جلل، في حين أنه روتين طبيعي يلزم حدوثه وضع آمن مريح غير مهين. وتحت كلمة غير مهين يندرج عدد من المحددات التي سيكون من المهم الحديث حولها، لا بسبب عدم اعتراف الآخر بها، وإنما بسبب الغفلة التي يعيش فيها البعض، وكأن الأمر غير ذي جدوى، في حين أنه غير ذلك، إنه أمر يعكس صورة ثقافية واجتماعية، لأي مجتمع.. هل يمكنكم تخيل ذلك؟!