أعتقد بعد انقضاء هذه الجائحة، وهي بالمناسبة من الكلمات العربية الفصحى القديمة، وكانت شبه مندثرة في الاستعمال اليومي إلا في القواميس والمعاجم، عدا عند الجزائريين حيث ينعتون الشخص السيئ، والذي بلا فائدة غير الشر والأذى بالإنسان الجائح، ومصدرها جياحة، وهي مستعملة عندهم أيضاً بنفس اللفظ والمعنى، والاجتياح يعني الاكتساح، وسنة جائحة جدباء، عمّ قحطها، لكن هذه الكلمة شاعت الآن، وتجددت من تلقاء نفسها، وأعيد استخدامها مع تفشي وباء «كوفيد 19»، وهذا دليل على أن اللغات لا تموت لوحدها.
ما أعتقده بعد ذهاب هذا الشر، أن الناس سينقسمون إلى قسمين، قسم سيبدي فرحه، وانطلاقته من جديد، وسيعيد سيرته الأولى، وأزيد، وكأنه كان محبوساً في قمقم، والآن تمرد وتأمرد، محاولاً تعويض ما فاته، وسيقبل على الحياة بنهم واضح، وستغيب المبالاة تدريجياً من حياته، وقد لا يبقى في ذاكرته، إلا ما يريد أن يتذكره من أيامها.
أما القسم الآخر، فسيكون حذراً وجلاً، متردداً، وكل أموره محسوبة، وتحركاته مرصودة، وكأن الوباء مندس هنا أو نائم هناك، حتى علاقاته القديمة سيطرأ عليها تغيير ما بعد «الكورونا»، وصلاته ودفء اتصالاته سيشوبها بعض الفتور، المهم أنه لن يكون مثلما كان قبل الجائحة.
وما ينطبق على الأفراد ينجر على المؤسسات، وعلى عادات المجتمع، وبعض من قيمه الأخلاقية بطريقة أو أخرى، حتى الدول فيما بين بعضها وبعض ستتم غربلة الكثير من الأمور، ستصعد أولويات، وتنحدر استراتيجيات، وتتشكل معاهدات واتفاقيات، وربما تشكل نظام عالمي جديد، ما بعد الكوكبة أو العولمة، وسينظر لمسائل ومصطلحات لم يستوعبها إنسان القرن الواحد والعشرين، ولكن مررها بعض المنظرين والمفكرين الاستراتيجيين والاستشرافيين، مثل خصخصة أو خوصصة القطاعات العامة الحيوية، وبالذات الصحة والتعليم والتأمينات الاجتماعية، وما يخص المرافق العامة والجمعيات التعاونية، كما سينظر إلى الرأسمالية المستشرية التي صنّفت الإنسان من جديد، وكادت أن تسحقه بكل آلياتها وغطرستها في كل الحالات، قبل الجائحة، وبعد نشوء الأزمات.
بعد هذه الأزمة ستتقدم بعض الدول خطوة إلى الأمام، وستتأخر بعض الدول خطوتين إلى الوراء، وسيُروج للصوصية جديدة، عن طريق شركات الأدوية، ومصانع السموم، وسيظهر من يحرثون في البحر، واعدين بآمال جديدة، ومبتكرات غريبة، ومن يهولون المخاوف الإنسانية من حروب بيولوجية، وأخرى كيماوية لمزيد من الابتزاز، واستنزاف طاقات الناس، ومقدرات ومكتسبات الدول.