الاتحاد

تقارير

الدبلوماسية الموسيقية

على امتداد ما يزيد على نصف القرن، ظل هذا الشكل من الدبلوماسية الموسيقية يؤدي دوره ضمن ما يعرف بالقوة الأميركية الناعمة، حتى في أكثر دول العالم تمرداً وصعوبة، وتحت أحلك الظروف إجمالاً، فعلى سبيل المثال، لم يحلم المؤلف الموسيقي ''جورج جيرشوين'' أن يعرض فيلمه الموسيقي ''أميركي في باريس'' مطلقاً في ''بيونج يانج'' ذات يوم، إلا أن الحقيقة هي أن فرقة ''نيويورك فلهارمونيك'' قد غادرت سلفاً إلى هناك لتعرض بعضاً من أعماله، مثل ''سيمفونية العالم الجديد''، وربما بعض معزوفات ''فاجنر'' الكلاسيكية في ذلك البلد الذي وضعه الرئيس ''بوش'' في قائمة دول ''محور الشر'' قبل بضع سنوات، وبالمثل يمكننا متابعة الأمثلة التالية على دور هذا النوع من العمل الدبلوماسي منذ منتصف القرن الماضي·
في عام ،1956 ابتعث ''ديزي جيلسبي'' -عازف الترومبيت الشهير-في جولة شرق أوسطية بلقانية، عاد منها بشبكة واسعة من المعجبين والأصدقاء من كلتا المنطقتين، ظلوا ملازمين له حتى بعد عودته إلى الولايات المتحدة، وفي العام نفسه، كانت أوركسترا بوسطن السيمفونية، أول فرقة أميركية لامعة تقدم عروضاً موسيقية في الاتحاد السوفييتي وتلقى استحسان كبار الموسيقيين الروس حينها، أما في عام ،1967 فكانت الجولة الآسيوية التي قام بها عازف الكلارنيت ''بني جودمان'' -على رغم الترحيب الكبير الذي حظي به في اليابان على وجه الخصوص- فقد كان أفضل أداء موسيقي له في ''بورما'' التي قال له رئيس وزرائها حينئذ، ''يو نو'': ''إن موسيقاك تدغدغ حتى أخمص قدمي''!
وفي عام 1958 زارت فرقة ''نيويورك فلهارمونيك'' بلدان أميركا اللاتينية، حيث حظيت في ''ليما'' بوقوف الجمهور مطولاً تصفيقاً لها واحتفاء بعروضها، على الرغم من أنه نفسه الجمهور الذي كان قد قذف نائب الرئيس ''رتشارد نيكسون'' بالحجارة والبيض قبل مدة قصيرة من رحلة النوايا الحسنة التي قام بها إلى ''البيرو''، وفي موسكو من ذات العام، نجح عازف البيانو ''فان سيلبيرن'' الذي لم يتجاوز عمره حينها الثالثة والعشرين، في إدهاش أساطين الموسيقى الكلاسيكية الروس، بفوزه بالمركز الأول في منافسات مسابقة ''تشايكوفسكي'' العالمية، وعلى رغم أن القرار الذي اتخذته لجنة التحكيم الروسية كان من الممكن أن يودي بها إلى معسكرات التعذيب في ''سيبيريا''، إلا أنها صوتت لصالح هذا العازف الأميركي الشاب بالإجماع، وبالطبع فهي لم تتخذ قرارها النهائي إلا بموافقة الزعيم السوفييتي ''خروتشوف''·
في عام 1962 زار ''بني جودمان'' الاتحاد السوفييتي وأثار استحسان ''خروتشوف'' الذي قال له: إنني لا أفهم شيئاً في موسيقى الجاز بما فيها موسيقى بلادي، ولكني استعذب الموسيقى الجيدة على أية حال· وبعد عام من زيارة الرئيس الأسبق ''رتشارد نكسون'' التاريخية للصين، أي في عام ،1973 كانت فرقة ''نيويورك فلهارمونيك'' أول فرقة موسيقية أميركية لامعة تقدم عروضاً موسيقية هناك منذ قيام الثورة الشيوعية، وكان أعضاء الفرقة من الموسيقيين المشاركين، أول مواطنين أميركيين يراهم الكثير من الصينيين على امتداد 25 عاماً من انقطاع العلاقات بين واشنطن وبكين، وهناك قدمت الفرقة المذكورة موسيقى ''كونشرتو'' النهر الأصفر'' ضمن العروض الأخرى التي قدمتها، على نحو نال استحسان الجمهور والموسيقيين الصينيين المحترفين معاً·
ومن هناك نصل إلى عام ،1990 حيث قدمت فرقة ''فلويد روجر'' أوبرا الروك الكلاسيكية ''الحائط'' في برلين الحرة، وكان ''روجر'' نفسه القائل قبل ذلك التاريخ بثلاث سنوات فحسب، إنه لن يقدم عرضاً حياً في برلين إلا عند سقوط حائطها، وهو ما لم يكن يتوقع حدوثه بتلك السرعة مطلقاً، يذكر أن العرض تضمن مشاركة 600 من الموسيقيين والراقصين والمؤدين، إلى جانب حائط صناعي مؤلف من 2500 طوبة·
وأخيراً ابتعثت وزارة الخارجية الأميركية فرقة ''أوزمالتي'' الحائزة على جائزة ''جرامي'' الموسيقية إلى منطقة الشرق الأوسط، لكن ومن سوء طالع الوزارة أن الفرقة لم تؤد دور السفير الثقافي لإدارة ''بوش'' -كما كان مخططا لها- وإنما عزفت موسيقاها لمواكب شعبية معارضة لحرب بوش على العراق·

إميلي لانجر
كاتبة ومحللة سياسية أميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا