الاتحاد

تقارير

كوسوفو··· وعنف النزعات الانفصالية

 روجوفا  أقام علاقات قوية مع الغرب للحصول على دعم اقتصادي ودبلوماسي

روجوفا أقام علاقات قوية مع الغرب للحصول على دعم اقتصادي ودبلوماسي

كان قرار كوسوفو بإعلان الاستقلال فكرة سيئة، وكان قرار الولايات المتحدة الاعتراف به فكرة أسوأ -وذلك ليس لأنه دفع مجموعة من الصرب الغاضبين إلى إضرام النار في السفارة الأميركية في ''بلجراد''- ذلك أنه حتى في حال لم تتحول هذه المنطقة الصغيرة من البلقان إلى دولة فاشلة على غرار السودان أو الصومال، إلا أنه من شبه المؤكد أنها ستبقى في وضعها الخطير الحالي وتصبح معقلا أوروبيا للإجرام وتجارة البشر، وعلاوة على ذلك، فإن الاعتراف بـ''كوسوفو'' يبعث برسالة غريبة إلى الحركات الانفصالية عبر العالم، مؤداها أنكم إذا لجأتم إلى العنف، فإن الغرب قد يدعمكم، أما إذا جنحتم إلى السلم، فإن حظوظ نجاحكم منعدمة، وهي رسالة موجهة إلى ''إبراهيم روجوفا'' وحزبه ''الرابطة الديمقراطية لكوسوفو'' الذي كان قد أسسه ''روجوفا'' -أستاذ سابق للأدب- أواخر 1989 بهدف مقاومة الرئيس الصربي ''سلوبودان ميلوسيفيتش'' مقاومة سلمية، بيد أنه لم يتلق لحوالي عقد من الزمن أي دعم من البلدان الغربية التي كانت تتجاهل المنطقة· ثم جاء اتفاق دايتون في ،1995 الذي أنهى الحرب الدموية في البوسنة والهرسك، ولكنه لم يأت على ذكر ''كوسوفو''·
لم تبدأ إدارة كلينتون تولي الاهتمام بـ''كوسفو'' إلا بعد أن دخل ''جيش تحرير كوسوفو'' الذي يقوده الألبان إلى الساحة في 1997 عبر حملة حرب عصابات وهجمات إرهابية ضد القوات الصربية والمدنيين، لتكافئه وعنفه الإرهابي عن غير قصد؛ حيث سعى ''جيش تحرير كوسوفو'' متعمدا إثارة ردود انتقامية صربية، وكان ''ميلوسيفيتش'' بوحشيته وبطشه المعتادين في الموعد، وبينما تصاعد الاقتتال، اتفقت الولايات المتحدة وبلدان أخرى في الناتو على التحرك عسكريا لوقف حملة التطهير العرقي التي كان يقودها ميلوسيفيتش، غير أنه بدلا من إرسال قوات برية، قرر الرئيس ''كلينتون'' الاعتماد فقط على القوة الجوية، ليصبح بذلك ''جيش تحرير كوسوفو'' جنودا للناتو على الميدان بحكم الفعل· وهكذا، فعندما وافق ''ميلوسيفيتش'' في يونيو 1999 على سحب القوات الصربية من كوسوفو، ملأ ''جيش تحرير كوسوفو'' المستقوي بالناتو الفراغ، وخلال الأشهر الخمسة عشر التالية، عملت الحكومة التي يقودها ''جيش تحرير كوسوفو'' على تهميش معظم الـ2,5 مليون من سكان كوسوفو -الألبان والصرب على حد سواء- عبر الانخراط في أعمال العنف، بما في ذلك تجارة المخدرات والأسلحة·
في أكتوبر عام ،2000 بدا أن الوضع في طريقه إلى التحسن أخيرا حين أطاح المحتجون في صربيا بـ''ميلوسيفيتش''، وفاز حزب ''روجوفا'' في انتخابات كوسوفو البرلمانية، وهو ما كرس تراجع ''جيش تحرير كوسوفو'' وعبّد الطريق لصعود ''روجوفا'' كرئيس، خلال تلك الفترة، سعى ''روجوفا'' إلى إقامة علاقات قوية مع الولايات المتحدة، فمده المسؤولون الأميركيون بدعم اقتصادي ودبلوماسي قيم لبعض الوقت، غير أن ''جيش تحرير كوسوفو'' رفض الاختفاء وسعى إلى إضعاف وضع ''روجوفا'' عبر العنف ضد الأقلية الصربية في المنطقة، والتي تشكل نحو 10 في المائة من السكان، أما الولايات المتحدة، المنشغلة بالعراق وأفغانستان، فقد اختارت عدم التدخل وسمحت لـ''جيش تحرير كوسوفو'' بالصعود من جديد عبر التهديد والقوة· في يناير ،2006 توفي ''روجوفا'' جراء إصابته بسرطان الرئة، وفي انتخابات نوفمبر المنصرم، استرجع ''جيش تحرير كوسوفو'' السلطة، وبدا غير متسامح أكثر من أي وقت مضى، والواقع أن رئيس الوزراء الجديد، ''هاشم تاتشي'' الذي كان يختبئ في الغابة مع المليشيات الألبانية في أواخر التسعينيات، ليس متورطا في أعمال إرهابية كزعيم لـ''جيش تحرير كوسوفو'' فحسب، وإنما معروف أيضا ببطشه وقساوته، وعليه، فلماذا يستحق ألبان ''كوسوفو''، من بين كل المجموعات التي تسعى للاستقلال في العالم (سكان التيبيت، الأكراد، التاميل، وغيرهم)، أن يلقوا معاملة استثنائية ويُمنحوا هذه الجائزة؟
فيما يبدو، فإن العديد من الزعماء الغربيين كانوا يخشون اندلاع العنف من جديد في ''كوسوفو'' عقب انتخابات العام الماضي في حال لم تُمنح الاستقلال بسرعة، والحال أن اعتراف واشنطن بـ''كوسوفو''، في ظل هذه الظروف، يعطي الانطباع مرة أخرى بأن الكوسوفيين إنما يكافأون فقط لأنهم قد يصبحون عنيفين، وهو ما سيدفع الأقليات الأخرى التي تسعى للاستقلال إلى أن تخلص أنه سيتم تجاهلها إن هي اعتمدت على السبل السلمية· لقد عكس الهجوم على السفارة الأميركية في ''بلجراد'' التأثير الخطير لهذه الحلقة الكاملة على السياسة الصربية، إذ بالرغم من أن الساسة الصرب المعتدلين، ومنهم الرئيس ''بوريس تاديتش'' سارعوا إلى التنديد بالعنف، إلا أنهم يشعرون اليوم أنهم مرغَمون على التركيز على الموضوعات القومية، هذا في حين يواجه أولئك الذين قادوا الإطاحة السلمية بنظام ''ميلوسيفيتش'' الدموي خطر أن يُتهموا بالمساهمة في تفكيك البلاد، وعلاوة على ذلك، يرتقب أن يستمر الاستياء من التخلي عن ''كوسوفو'' بالقوة لسنوات عديدة ويؤجج التوتر الإقليمي·
من بين الأخطار المحدقة أيضا أن تصبح ''كوسوفو'' التي تعد أفقر منطقة في أوروبا، دولة فاشلة، بل ومعقلا إرهابيا أيض، فلولا دعم الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لتوقف اقتصادها قبل وقت طويل، ثم إنه حتى لو كان المسؤولون الكوسوفيون حاذقين في الاقتصاد، فإنهم سيواجهون مشقة حقيقية في تحقيق التوقعات الشعبية التي زادت ارتفاعا مع الاستقلال، وعلاوة على ذلك، فإن الانقسام العرقي من المرجح أن يزداد حدة، حيث يبدو احتمال مزيد من الاشتباكات العنيفة بين الصرب والألبان حقيقيا، كما أن حكومة ''تاتشي'' قد ترد على ذلك بالتطهير العرقي· بعد اعترافها باستقلال ''كوسوفو'' بدون أي نقاش عام تقريبا، يتعين على واشنطن وأصدقائها في أوروبا الغربية أن يتوخوا الحذر، وعلى المرء أن يحذر مما يتمناه!
مارك كريمر
مدير برنامج دراسات الحرب الباردة بجامعة هارفرد
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا