الاتحاد

تقارير

تقييد الهجرة غير ممكن!

من الواجبات المهمة لكاتب المقال في تقاليد الصحافة تسليط الضوء على تلك الأفكار التي يمكن أن تكون مثيرة لنقاش مفيد. وقد تلقيت ردوداً مفيدة على مقالي المنشور الأسبوع الماضي، الذي يحضّ «الديمقراطيين» على التفاوض مع الرئيس دونالد ترامب ومستشاره «ستيفن ميلر» بشأن الهجرة، لأن التوصل إلى اتفاق مع الداعين إلى تقييدها سيكون أكثر استدامة وذا شرعية ديمقراطية ملموسة. وقد تباينت تلك الردود بين ما يمكن نقاشه، وما لا يمكن من أفكار.
وتتلخص ردود المنادين بوقف النقاش بشأن هذه المسألة في أن ترامب و«ميلر» متشددان في مناهضة الهجرة، وإبرام صفقات معهما من شأنه إضفاء صبغة طبيعية على ذلك التشدد. ولأنني أوافق على أن ميل ترامب في هذا الشأن شديد الوضوح، فإنني أحترم ذلك الرد، ولا أتصور أنه من المرجح أن تثني حججي أولئك الذين ينظرون إلى الهجرة من منظور أخلاقي بحت.
ولكن ثمة أيضاً ردوداً أخرى جديرة بالنقاش والمحاججة، تستبدل الحكم الأخلاقي على مسألة الهجرة بتقدير جزافي، وتشير ضمناً إلى أن تقييد الهجرة قضية في حكم غير الممكنة، وأن التفاوض مع المطالبين بتقييدها كالتفاوض مع من يعتبرون الأرض مسطحة!
وأرغب في الاعتراض على وجهة النظر هذه بالاستطراد في نقطتين ذكرتهما في مقالي الأسبوع الماضي، وكلتاهما تقدمان أسباباً لاعتبار الهجرة مسألة سياسية عادية ذات تكاليف، وكذلك امتيازات بغض النظر عن الجانب الذي سنتبناه بشأنها.
والنقطة الأولى هي أنه في الوقت الذي تزيد فيه الهجرة الجماعية من التنوع، فهي أيضاً تُقلّص التماسك الاجتماعي، ولكن ذلك ليس قانوناً عاماً، مثلما أشار الكاتب الاقتصادي نوح سميث، فهناك نماذج مغايرة، وأساليب لمواجهة هذا الاتجاه. وعلى رغم ذلك، تعتبر هذه أيضاً نتيجة تنسجم مع التجربة الواقعية في حالتي كل من أوروبا وأميركا، إذ أدى التنوع الثقافي إلى زيادة ضعف الثقة الاجتماعية، والصراع النخبوي الشعبوي والاستقطاب العرقي والديني، وبين الأجيال في ساحة الأحزاب السياسية أيضاً.
وعلاوة على ذلك، لا تقتصر مشكلة الثقة على مجرد ضعف ثقة القوميين المتطرفين في الأجانب، ولاسيما أن الثقة الاجتماعية تبدو أضعف في كثير من الأحيان بين الأقليات، وهو أحد الأسباب في أن أكثر الأجيال تنوعاً في التاريخ الأميركي، وهو جيل الألفية، يبدو كذلك الأقل ثقة.
ولذا، فمن الممكن أن نرى التأثيرات السياسية لانعدام الثقة، حتى إذا تجاهلنا «الجمهوريين» تماماً، فانعدام الثقة من أسباب الأجواء المسمومة في الحرم الجامعي، والصعوبات التي يواجهها «الديمقراطيون» من أجل الحفاظ على مشاركة طيف متنوع في المعترك السياسي، وهي أيضاً من أسباب تمخض المنافسة ضد كل من بيرني ساندرز وهيلاري كلينتون عن كثير من صيحات العنصرية والتحيز للرجال أو النساء، وخاصة في قطاعات من اليمين المحافظ.
وأما النقطة الثانية، فهي أن تلك التوترات العرقية الثقافية ترتبط أيضاً بالتوترات الطبقية، حيث قد تفرز الهجرة الجماعية التقسيم الطبقي والانعزال الذاتي النخبوي. وفي الولايات المتحدة، كما في فرنسا والمملكة المتحدة، كثيراً ما تكون المناطق والمدن التي تستضيف أكبر عدد من السكان المهاجرين هي الأثرى والأكثر فاعلية. غير أن ذلك لا يعني أيضاً بالضرورة أن المناطق الأفقر تتضور جوعاً بسبب رهاب الأجانب، مثلما يشير البعض أحياناً. فالمناطق الداخلية مكتظة بأناس ربما يرغبون في الانتقال إلى المناطق الأثرى (أو كانوا يعيشون فيها بالفعل)، ولكن لا يمكنهم ذلك لأن النسيج المؤلف من المهاجرين والمهنيين يجعل الحياة صعبة على الطبقة المتوسطة.
ولعل هذه شهادة بجلَد المهاجرين وإصرارهم على أن بمقدورهم النجاح من خلال العمل لفترات طويلة مقابل أجور زهيدة، بينما يعيشون في منازل مكتظة مع آخرين. غير أن النظام الاجتماعي في المدن الكبرى والعواصم، مثل باريس على سبيل المثال، لا يمكن توفيره لسكان الدولة بأسرها، كما أنه كذلك لا يؤثر بصورة سلبية على المواطنين من الطبقة دون المتوسطة فحسب، ولكن أيضاً على أبناء المهاجرين أنفسهم، الذين تبدو قدرتهم على تجاوز الإنجازات التي حققها آباؤهم محدودة بسبب استمرار وصول عمال جدد ينافسونهم على الوظائف والأجور والمساكن.
وفي هذه الأثناء، يبدو أن كل ما سبق متحيز لجانب دون الآخر، ويغفل المنافع الحقيقية للهجرة، سواء أكانت اقتصادية أو إنسانية، والتي تشكل جزءاً من حسابات سياسية أيضاً، كما هي الحال بالنسبة لتراجع الهجرة غير القانونية، وحقيقة أن المشكلات التي أشرت إليها يمكن إدارتها بطريقة أكثر نجاعة في الولايات المتحدة منها في أوروبا. ولذا، أرى الحفاظ على مستويات الهجرة الراهنة، مع إحضار مزيد من المهاجرين لمنافسة الشرائح الأكثر استفادة من اقتصادنا، وقليل من المنافسين على الأعمال ذات الأجور المنخفضة، يمثل حلاً وسطاً منطقياً.
غير أن الحسابات ليست بسيطة، ويجدر بنا البحث عن حل وسط حقيقي، فموجة الهجرة الأخيرة تلعب دوراً ليس فقط في عظمة أميركا، وإنما أيضاً في انقساماتنا وخيبة أملنا!

* كاتب أميركي
يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»

اقرأ أيضا