الاتحاد

تقارير

سياسة ترامب النووية الجديدة

وصفت إدارة الرئيس دونالد ترامب سياستها النووية الجديدة، التي أصدرها البنتاجون في نهاية الأسبوع الماضي، باعتبارها تقييماً صعباً وواقعياً للتهديدات الخارجية والقدرات الأميركية. وتصف «مراجعة الوضع النووي»، وهي الأولى التي يتم إجراؤها منذ عام 2010 «العالم كما هو، وليس كما نتمنى أن يكون»! وتدعو إلى التوسع في ترسانة أميركا النووية لمواجهة القدرات المتطورة للقوى النووية الأخرى.
وإذا كانت هذه هي وجهة نظر الإدارة للعالم، فإنها بعيدة كل البعد عن أن تكون محل توافق للآراء. فقد هاجم حشد من المنتقدين التعزيزات النووية المحتملة باعتبارها خطيرة، ومدمرة مالياً، ويفوح منها عبق التفكير القديم في حقبة الحرب الباردة. وأشار البعض منهم أيضاً إلى أن زمرة من الصقور النوويين ساعدت على صياغة وثيقة «مراجعة الوضع النووي»، بمن فيهم أكاديمي ذكر في عام 1980 أن الولايات المتحدة يمكنها هزيمة الاتحاد السوفييتي في حرب نووية!
وقد ردد النائب الجمهوري «ماك ثورنبيري» (عن ولاية تكساس)، رئيس لجنة الخدمات المسلحة بمجلس النواب، توصيات الإدارة بزيادة مخزون الأسلحة النووية «ذات النتاج المنخفض» -والأسلحة «التكتيكية» التي لا تزال قادرة على القضاء على مدن بأكملها- ووضع عدد من هذه الرؤوس الحربية في الغواصات كعلامة على النوايا الأميركية. وكتب في مقال نشرته صحيفة «ديفينس نيوز» الإلكترونية: «يجب على الولايات المتحدة أن تعترف بواقع العودة إلى سباق القوى العظمى، وأن تتأهب وفقاً لذلك».
كما روج أيضاً الرئيس ترامب نفسه للنهج الجديد خلال خطاب «حالة الاتحاد» الذي ألقاه مؤخراً. وقال «ينبغي أن نقوم بتحديث وإعادة بناء ترسانتنا النووية، ونأمل ألا نضطر إلى استخدامها، ولكن نجعلها قوية بما يكفي لردع أي أعمال عنف من قبل أي دولة أخرى أو شخص آخر». (ومن الغريب أن الأمر الذي لم يذكر في خطابه -ولكنه صريح في مراجعة الوضع النووي- هو قلق البنتاجون من تعزيزات روسيا النووية في السنوات الأخيرة).
وفي تغريدة له، قال ترامب «لقد ذكر زعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون لتوه أن «الزر النووي على مكتبه دوماً». هلا يبلغه أحد في نظامه المتهالك والمتضور جوعاً بأنني أنا أيضاً لديّ زر نووي، ولكنه أكبر وأقوى من زره، وبأن زري يعمل!».
وعلى رغم أن مؤيدي الأجندة النووية للإدارة يؤطرون الأمر باعتباره استمراراً للسياسة الأميركية القديمة، إلا أنه عكس ملحوظ لاستراتيجية سلف ترامب. وقد كتب زميلي «بول سون»: «كانت سياسة الإدارة السابقة تستند على ما وصفه الرئيس باراك أوباما بالالتزام الأخلاقي، بأن تكون الولايات المتحدة نموذجاً يحتذى به في تخليص العالم من الأسلحة النووية». وأردف «ويقول المسؤولون في إدارة ترامب، والجيش الأميركي، إن نهج أوباما أثبت أنه مفرط في المثالية، ولاسيما أن العلاقات مع موسكو ساءت. وأشاروا إلى أن دولاً كروسيا والصين وكوريا الشمالية قامت بتطوير قدرات الأسلحة النووية لديها بدلاً من أن تحذو حذو أميركا».
أما المتشككون في مقاربة إدارة ترامب للأسلحة النووية فيقولون إنها لن تتمكن بمصداقية من ردع هذا النوع من العدوان منخفض المستوى الذي تقوم به دول مثل روسيا في شرق أوروبا وكوريا الشمالية في شمال شرق آسيا. ويبدو أن الاستراتيجية تتبنى الأسلحة من أجل الأسلحة أكثر منها للاستفادة من الأوراق قد تقدمها.
وفي هذا السياق كتب «آدم ماونت»، وهو زميل بارز في اتحاد العلماء الأميركيين: «تبدو الوثيقة بشكل ما مثل استراتيجية تروم تحقيق أفضل طريقة لردع التهديدات التي تتعرض لها الولايات المتحدة وحلفاؤها. وتبدو أيضاً كدعوة لاستخدام الأسلحة النووية -دفاع عن وعي ذاتي بفاعليتها، والقدرة على تحمل تكاليفها، ومحاولة توسيع مهمتها. إنها مذكرة من لوبي قوي أكثر منها وثيقة لسياسة البنتاجون». وأضاف «وبدلًا من العمل على الحد من الخطر النووي، فإن سياسة الدولة النووية تعكس الآن منطق رد الفعل على خصوم الولايات المتحدة، والاستعداد لاتباعهم إلى عالم أكثر خطورة».
وبدوره، حذر «جو سيرينسيون»، رئيس صندوق بلوشاريس، وهو مؤسسة لمكافحة الأسلحة النووية، من أن الموقف النووي الجديد يعطي أيضاً ترامب نطاقاً أوسع لإصدار أوامر بشن ضربات نووية محتملة. وهذا أمر لا تدعمه أغلبية الأميركيين، وفقا لاستطلاع أجرته «واشنطن بوست» مؤخراً.
واستطرد سيرينسيون: «لقد استهلك معدو الوثيقة صفحات طويلة في الجدل بأن العالم قد أصبح أكثر خطورة نتيجة لضعف أسلاف ترامب. وهم يتجاهلون تماماً الاتفاقيات التي خفضت الترسانات النووية الروسية وجمدت برنامج إيران النووي، ومنعت أيضاً أطناناً من المواد الخطيرة عن الإرهابيين. إن مراجعة الموقف النووي ترسم عالماً من الصراع المرعب بين القوى العظمى».
وكان ترامب كتب في تغريدة على موقع تويتر «أول أمر لي كرئيس هو تحديث الترسانة النووية الأميركية. وهي الآن أكثر قوة بكثير من أي وقت مضى...».
ومن المفارقة أن اتفاقا نووياً تم إبرامه مع روسيا في عهد أوباما دخل حيز التنفيذ يوم الإثنين الماضي. وكان الهدف منه، مثل الاتفاقات السابقة التي صاغتها إدارة ريجان وإدارة بوش الابن، هو تعطيل إمكانية وقوع مثل هذا الصراع الكارثي المحتمل بين القوى العظمى. وبموجب بنود معاهدة «ستارت الجديدة»، كما هو معلوم، تلتزم كل من الولايات المتحدة وروسيا بنشر 1550 رأسا نوويا فقط، لا غير. وهناك نظام تحقق صارم من كلا الجانبين.

* كاتب أميركي متخصص في الشؤون الخارجية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا