صحيفة الاتحاد

الإمارات

قصيدة النثر من مراحل تطور الشعر العربي


القاهرة - حلمي النمنم:

شهد ملتقى القاهرة الدولي للشعر العربي مؤخراً جلسة حول قصيدة النثر، شارك فيها عدد من الشعراء والنقاد العرب، فيما قاطع معظم شعراء تلك القصيدة من المصريين الملتقى، لأنهم لم يمثلوا فيه بالقدر الكافي، وبدأ رئيس الملتقى الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي كعادته رافضاً ومعادياً لقصيدة النثر وشعرائها· وقد أعد الناقد الدكتور محمد عبدالمطلب أستاذ الأدب بجامعة عين شمس ورقة بعنوان ''قصيدة النثر ونثر القصيدة''، قدمت خلال الجلسة ورصد فيها آراء المدافعين التي تمثلت في أن قصيدة النثر من مراحل تطور القصيدة الشعرية العربية فقد عرف الشعر العربي القصيدة العمودية ثم قصيدة التفعيلة والشعر الحر وبعدها كان لابد أن تأتي قصيدة النثر، وفضلاً عن ذلك فإن القصيدة العربية كانت تعرض نفسها على العالم الخارجي بجمالياتها وبلاغتها وأوزانها، لكن قصيدة النثر لا تفعل ذلك، لأن العالم الخارجي الآن مليء بالقبح والكراهية، وليس فيه جمال كما كان، ومن ثم فإن هذه القصيدة تعتمد على اقتناص مشهد أو لحظة بعينها وتقوم بتكثيفها وتعبر عنها، قد يمثل ذلك المشهد جمالاً معيناً أو فكرةً محددةً· ولا تلتزم القصيدة بالوزن ولا بالتفعيلة، لكنها تخدم الإيقاع العربي وهذا سر جمالها، ويقول محبو هذه القصيدة: إن من النثر العربي ما يمتلك الجمال الشعري الكامن في اللفظ والمعنى·
ويضيفون أن هذه القصيدة حينما تتحرر من الوزن والتفعيلة، إنما تمنح الشاعر حريةً أكبر في التعبير، وتحرره من القيود التقليدية في القصيدة العمودية والتي تحد من انطلاق الشاعر، والتحرر لا يكون في الشكل فقط، بل يمتد إلى المضمون أيضاً، ومن هنا دخلت قصيدة النثر مناطق في حياة الإنسان والمجتمع لم تصل إليها من قبل، واستطاعت أن تحطم كثيراً من الحواجز والقيود في مجتمعنا خاصة فيما يتعلق منها بالجنس أو السياسة أو الدين·
الخروج
وفي المقابل -كما يقول الدكتور عبدالمطلب- هناك من يهاجم قصيدة النثر بشدة، وهنا يبرز التعبير الشهير الذي أطلقه أحمد عبدالمعطي حجازي عام 1992 في مجلة ''إبداع'' عن صفوة الشعر والشعراء وحرافيش الشعر، واعتبر قصيدة النثر وشعراءها هم الحرافيش وطردهم من مملكة الشعر نهائياً، ويبدو أن موقف حجازي تزحزح قليلاً، ويبرر وصفه بأن النصوص التي عرضت عليه وقتها لقصيدة النثر لم تكن جميلةً بل كانت ركيكةً وأقر بأن هناك نصوصاً جميلة لقصيدة النثر الآن، وإن كانت قليلة، لكن القلة ليست فيها وحدها، بل هي قليلة في كل الوان الشعر الآن·
ولا يعني هذا أن المعترضين على قصيدة النثر قد تخلصوا من اعتراضاتهم فهم يرون -طبقاً لرصد الدكتور عبدالمطلب- أن تلك القصيدة تقوم على ''الجرح'' فقد جرحت القصيدة العربية وخرجت على كل قواعدها وفنونها وجمالياتها، والأخطر من ذلك أنها جرحت وخرجت على التقاليد العربية·
وقسم الدكتور عبدالمطلب تعامل النقاد مع قصيدة النثر إلى ثلاثة مواقف، الأول اعتبر هذه القصيدة ''منكراً'' ومن ثم اجتنبوها تماماً، بدعوى أنها ليست شعراً، وفي هذا يقول الدكتور فتوح أحمد الأستاذ بجامعة القاهرة: هي ليست قصيدة، هي نثر جميل، ولذا تظل نثراً· الموقف الثاني لمجموعة من النقاد اعتبروا تلك القصيدة منكراً شعرياً وجمالياً، ولكنهم لم يجتنبوا ذلك المنكر بل راحوا يدرسونها باعتبارها موجودةً فعلاً وعليهم محاولة دراستها· والفريق الثالث من النقاد وهم الذين رحبوا بها واعتبروها من حالات تطور القصيدة العربية·
فن آخر
الشاعر والناقد اللبناني عباس بيضون يرى أنها فن آخر تماماً أو جنس أدبي مستقل وتعبر عن اتجاهات ودوافع جديدة، ويجب أن تدرس على هذا النحو، ويعتبر بيضون أن النقاش حول ''قصيدة النثر'' نوع من اللغو؛ لأنها فن مستقل ويجب أن تعامل على هذا النحو، أما كل ما يثار من ادعاءات عن قصيدة النثر قدحاً أو مدحاً فهو خارج الموضوع·
الشاعر المصري صلاح اللقاني دافع بشدة عن قصيدة النثر، مؤكداً أنها ملتزمة بإيقاع الشعر العربي، ويمكن إضافة بحر جديد إلى بحور الشعر والقصيدة العربية خاص بها، وان الشعر العربي كان دائم التطور والتجدد، فلا يمكن أن نضع قصيدة من الشعر الجاهلي ونطابقها حرفياً بقصيدة من العصر العباسي مثلاً أو صدر الإسلام، فهناك تباين وهذا التباين راجع لظروف سياسية واقتصادية وثقافية·
اتهام
وأخطر اتهام وجه إلى قصيدة النثر جاء من الدكتور عبدالمطلب، وهو أن بعضها يكاد يكون مترجماً عن الشعر الأجنبي، فلا يتحدث عن واقعنا أو ثقافتنا، مثلاً يتحدث أحد الشعراء عن مدينته التي تغطى بالثلج والجليد طوال العام أو مدينة تمطر فيها السماء صيفاً وشتاءً، وهو شاعر مصري، فهل يتحدث عن القاهرة أو الاسكندرية مثلاً أم عن لندن، وباريس، وموسكو وغيرها؟ هذا البعد الأجنبي يشعرنا بأننا لا نقرأ شعراً عربياً، بل مترجماً ويقول: إنه قرأ مؤخراً ديواناً لأحد هؤلاء الشعراء، يقع في 90 صفحة من القطع الصغير، فوجد به 145 مفردةً أعجميةً، وهذا يعني من وجهة نظره أن تلك الصفحات مترجمة· ويطالب عبدالمطلب الباحثين المتخصصين بتعقب هذه الأشعار في مصادرها الأجنبية لنتبين عمن ينقلون ويأخذون·
ويلخص الدكتور جابر عصفور المسألة في أن ثقافة شعراء قصيدة النثر ووعيهم توقف عند كتاب الناقدة الفرنسية سوزان برنار حول قصيدة النثر، وهذا الكتاب يقف عند منتصف القرن التاسع عشر، وهؤلاء الشعراء يكتبون تحت تأثير ذلك الكتاب، لذا لا يكتبون واقعهم ولا ثقافتهم ولا عصرهم، ولعل هذا ما يفسر ابتعادهم عن الجميع في الكتابة الإبداعية وعدم تقبل الجمهور لهم·
الشاعر الكبير محمود درويش قال: نحن لا نرفض قصيدتهم ولا إنتاجهم، نعترض فقط على تنظيراتهم فهم يقدمون تنظيراً أكبر بكثير مما يكتبون من إبداع وفي تنظيرهم ينفون الشعراء الآخرين، في حين أنه يمكن أن تتجاور جميع القصائد والإبداعات·
ويرى الناقد الدكتور محمد عبدالمطلب أنه لا توجد حدود فاصلة بين النثر وقصيدة النثر، على غرار ما هو بين النثر والقصيدة العمودية مثلاً، والقصيدة لابد أن تلتزم بالوزن وبالغرض الشعري، وهناك قافية في نهاية كل بيت، وحتى حينما جاء شعراء التفعيلة من أمثال صلاح عبدالصبور، وبدر شاكر السياب فإنهم لم يلتزموا بالقافية، ولكنهم تمسكوا بالتفعيلة وهذا تمييز شديد لهم عن الكتابة النثرية، أما في حالة قصيدة النثر فالأمر مختلف، بحيث إن كل كتابة نثرية جميلة يمكن أن تكون بمعنى ما قصيدة للنثر، وتلك مشكلتها، وهذه المشكلة ليست في الثقافة العربية فقط، لكنها أيضاً في الثقافات الأوروبية وفي فرنسا مثلاً، بالرغم من أن قصيدة النثر، تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر فإنهم يعانون هذه المشكلة حتى الآن· وفي العالم العربي مضى الآن حوالي نصف قرن على قصيدة النثر، وهناك أجيال متعاقبة منها، لكن لم نصل إلى تحديد جامع مانع لها· ومع تعدد النقاشات حول قصيدة النثر دعا كل من الدكتور محمد فتوح أحمد، والدكتور محمد عبدالمطلب لجنة الشعر بالمجلس الأعلى المصري للثقافة إلى إقامة مؤتمر خاص بقصيدة النثر، يناقش حدودها وقضاياها ونماذجها، ووعد أحمد عبدالمعطي حجازي بأن يعمل على تنظيم مؤتمر حول قصيدة النثر·