صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

حرب القبضة الحديـدية واللمسة الحانية·· لمن النصر ؟!




باريس- الاتحاد:

''نيكولا ساركوزي'' يحاول أن يظهر أكثر من رجل و''سيجولين رويال'' تحاول أن تظهر أكثر من امرأة· هل هذا الاستنتاج دقيق لدى تحليل السباق إلى الاليزيه الذي بدا محتدماً، ولأول مرة بين رجل وامرأة؟
''ساركو'' الذي يتطلع إلى إقامة الساركوزية كبديل عن الديجولية والشيراكية، قاس وصلب وفظ أحياناً في مواجهة ''سيجو'' التي ينصحها البعض بألا تنتعل الكعب العالي عندما تمشي في وحول السياسة·· والسؤال الذي يُطرح الآن: هل الفرنسيون بحاجة إلى مَن يخيفهم أم إلى مَن يحبّهم؟
البيتزا والثورة
دائماً هناك لحظة ميكيافيلية في أي سباق سياسي· السباق هنا إلى قصر الاليزيه، استطراداً إلى التاريخ، حتى أن ''بريجيت باردو'' تمنّت، ذات يوم، لو تصل إلى هناك· كيف؟ هذه عملية معقدة· أردفت ضاحكة ''ولكن قيل لي انّ معطف الفرو أفضل، بالنسبة إلى المرأة، من··· التاريخ''·
''سيجولين رويال'' قالت إنها لم تأبه للتاريخ· لم تقل إن ''نابليون بونابرت'' مات من عهد بعيد، كما أن ''شارل ديجول'' بصوته الجهوري لم يعد يصلح لهذه الأيام البراجماتية، حيث الفرنسي يفكر بطبق البيتزا أكثر مما يفكر بالمبادئ الثلاثة للثورة ''حرية، أخوة، مساواة''· المرشحة الرئاسية للرئاسة قالت إنها معنية بالاساس ''هذه هي قضيتي''·
الفرنسيون يعتنون كثيراً بالتفاصيل في أي شخصية· هم أصحاب القول الشهير إن الشيطان في التفاصيل· إذاً، هل ثمة من شيطان في شخصية ''سيجولين''· لا، لا· خصومها يقولون إنها لا تزال طفلة· إذا استقبلت زائراً كبيراً في الاليزيه فقد يظن أنها مديرة التشريفات لا السيدة الرئيسة··
هذا موسم الكوميديا السياسية في فرنسا· يسأل أحدهم لو كان لدى ''هابيل'' شقيقة وليس شقيقاً مثل ''قايين''، هل كانت قذفته بالحجر على رأسه؟ لا، بطبيعة الحال· إذاً، الفرنسيون بحاجة إلى مَن لا يضرب رؤوسهم بالحجارة· ولكن هل يفعل ''نيكولا ساركوزي'' ذلك··
وداعاً الفلاسفة··
يشيرون إلى الخط البياني في مسيرته· تقول ''لوكنار انشينه'' إن منخاره يثقب أي جدار· صحيح أنه ليس منخار ''ديجول''، لكنه صلب وحديدي· تشير الصحيفة الساخرة إلى كيفية تعاطيه مع الرئيس ''جاك شيراك''· الاثنان ينتميان إلى حزب واحد هو الاتحاد من أجل الحركة الشعبية، ومع ذلك أعلن اعتزامه خوض الانتخابات الرئاسية، دون أن يتصل ولو هاتفياً، بالإليزيه ليبلغ الرئيس رغبته··
لكن معاوني وزير الداخلية يردّون بمنتهى الوضوح، فالرئيس ''ملأ النهر بالصخور'' لكي يحول دون ''ساركوزي'' وترشيح نفسه· دفع بـ''دومينيك دو فيلبان'' إلى وزارة الخارجية، ثم إلى وزارة الداخلية، ومن هناك إلى الماتينيون حيث تسلم رئاسة الحكومة، كل هذا من أجل ''تأهيله'' للرئاسة· المشكلة أن فرنسا لم تعد على وئام لا مع الفلاسفة ولا مع الشعراء· ''ساركوزي'' كان فظاً وقال: ''السيد دومينيك يصلح أن يكون رئيساً لجمهورية الحي اللاتيني''، حيث يقبع المفكرون والفنانون وحتى الصعاليك في المقاهي··
يضيفون أن الرئيس ''شيراك''، وعندما استنفد كل امكاناته في تصنيع ''دو فيلبان''، الأنيق والدمث والمثقف، توجّه إلى وزيرة الدفاع ''ميشال آليوـ ماري''، لم يتوقف عند هذا· سئل، قبل أيام قليلة من إعلان ''ساركوزي'' ترشيح نفسه، ما إذا كان يرغب في أن يرشح نفسه للمرة الثالثة· أجاب إنه سؤال يستلزم التفكير·
لسنا عالماً ثالثاً
مرة ثالثة؟ قالت ''الفيغارو'': ''بالتأكيد لسنا في العالم الثالث''· أما أن ينتخب ''فرنكلين روزفلت'' 4 مرات رئيساً للولايات المتحدة، فلأنها الحرب العالمية الثانية··
''ساركوزي'' لم يكترث بأحد· تساقط الجميع، لكنه حصل على أكثر من 91 في المائة من الأصوات داخل حزبه، ودون حضور الرئيس ''شيراك''· تلك نسبة تتردد، كثيراً، في العالم الثالث إياه· لكن أعضاء الحزب لاحظوا ألا مجال للرهان إلا على ذلك الهنجاري الذي حدد أهدافه بسرعة· قال: ''أنا مع أميركا و··· إسرائيل''· سارع ''جان دانييل'' إلى محاصرته بهذا السؤال: ''هل تقول انك ضد فرنسا؟''·
هذا في وقت كانت ''سيجولين'' تثير غضب واشنطن، كما أثاره ذات يوم ''شارل ديجول'' عندما قال من قلب ولاية كيبك الكندية والتي تتكلم الفرنسية ''كيبك حرّة''· المرشحة الاشتراكية أثارت التباساً في كلام لها حول كيبك· لا داعي للتوقف هنا طويلاً· غالبية الفرنسيين لا تريد أن تتوسع لا في الجغرافيا ولا في التاريخ·
حتى الآن، ''سيجولين'' هي التي تتصدّر، وإن بنسبة ضئيلة، استطلاعات الرأي، قيل لها: ''يا سيدتي، لا تنتعلي الكعب العالي عندما تمشين في الوحول''، وحول السياسة· لكن ''سيغو'' تنشط على مدار الساعة· تقرأ، وتتابع المناظرات التلفزيونية ''الضخمة''، وتناقش· لا بأس أن يسألها أحدهم عن الوقت الذي تعطيه لرفيق حياتها (بالأولاد الستة) ''فرنسوا هولاند''، وهو أمين عام الحزب الاشتراكي· تقول إن وقته مقدّس، ولكن ذات يوم قالت صحيفة الـ''صن'' اللندنية، في إشارة ساخرة إلى رئيسة الوزراء (آنذاك) ''مارجريت تاتشر'': ''إن السيدة السياسية تعطي زوجها من الوقت ما تعطيه لإصبع أحمر الشفاه''·
هذا وقت كبير عندما تكون المرأة مرشحة لرئاسة فرنسا· وكان أحد معاونيها قد قال إن أكبر مشكلة تعاني منها ''سيجولين'' هي ''فرنسوا هولاند''· حاول الرجل أن يستدرك· ولكن ما قيل قد قيل، فأوقف عن العمل لمدة شهر، إذ لا مجال للاستغناء عنه لأنه ذكي وديناميكي ويعرف كيف يستخدم لسانه (لا زلات لسانه) في الوقت المناسب·
عادة، يحكي عن الاختلاف في البرنامج· الأولوية الآن في فرنسا هي للفوارق الشخصية بين ''ساركو'' و''سيجو''· معلق تلفزيوني يذكر الجمهور بأن ''ساركوزي'' رجل و''رويال'' امرأة· على الفرنسيين أن يأخذوا ذلك بالاعتبار· ولكن هل أن ''ساركوزي'' رجل فقط؟ وهل أن ''رويال'' امرأة فقط؟
''ساركوزي'' يحاول أن يظهر أكثر من رجل، و''رويال'' تحاول أن تظهر أقل من امرأة· هل المعادلة واضحة حقاً؟ ابن المهاجر الهنجاري والذي أكد كاثوليكيته في كتاب أخير له بعدما اتُهم بالتيه العقائدي، يوحي بأنه من أسرة ملكية· يتفادى كلياً الإشارة إلى الامبراطورية النمسويةـ المجرية كي لا يخدش مشاعر الفرنسيين، وبعدما كانت هذه الامبراطورية قد وقفت إلى جانب ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وإن كان معروفاً أنّ السلالات الملكية في أوروبا تتداخل، في ما بينها، عائلياً· عشرات حالات الزواج حصلت من أجل توسيع الممالك أو الإمبراطوريات··
ابنة من عشيقة
بالطبع، الفرنسيون يحترمون، كثيراً، الجوانب الخاصة لدى الشخصية الفرنسية· والدليل أنهم ''ابتهجوا'' عندما اكتشفوا أن للرئيس ''فرنسوا ميتران'' ابنة تدعى ''مازارين'' من عشيقة· ومع ذلك، فهم لم يتورعوا عن الهمس الإعلامي حول زوجة ''ساركوزي''، ''سيسيليا''، التي تركته لصديق قديم· كادت تحطمه قبل أن تعود إليه، وهي التي تدير ''غرفة العمليات'' بشخصيتها القوية والنفاذة، حتى قيل في فرنسا ''حرب المرأتين'' أو ''حرب الوردتين''، في إشارة إلى الحرب الشهيرة التي تحمل هذا الاسم·
هذه مسائل شخصية و''مشروعة'' حتى أن ''سيجولين'' تساكن ''هولاند''، وأنجبت منه ستة أولاد من دون وثيقة زواج من ''البلدية'' أو من كاهن الحي· ما يعني أن الفرنسيين أكبر من ذلك بكثير، هذه مسائل تثير الإنجليز الذين يدسّون أنوفهم في فراش الآخرين· ماذا فعلوا بالحياة الزوجية للأمير ''تشارلز'' والأميرة ''ديانا'' وصولاً إلى ''كاميلا باركرـ جونز''؟ لا ننسى ما حصل عام 1963 لوزير الحربية ''جون بروفيومو'' وصديقته ''كريستين كيلر'' التي تبين أنّ لها علاقات مع ديبلوماسيين سوفييت· سلسلة من الفضائح الأخرى الشهيرة· غريب أن المانش فقط هو الذي يفصل بين بريطانيا وفرنسا، ومع ذلك هناك مسافة هائلة في الأمزجة والقيم··
إذاً، هل الفرنسيون بحاجة إلى ''لمسة حنان'' أم إلى ''قبضة حديدية''· ''ساركوزي'' أثبت خلال توليه وزارة الداخلية أنه الرجل الذي لا يخطو خطوة إلى الوراء· قاس، عنيد بل وفظ أحياناً، والذين يعتبرن انّ المجتمع هو في الطريق إلى الانحلال الأمني والاجتماعي، يرون فيه المخلص· لكنه يخيف العديد من الفرنسيين الذين يعتبرون أنّ الديموقراطية لا تتحمّل مثل ذلك الرجل الذي يريد أن يفرض الساركوزية، كبديل تاريخي عن الديجولية التي لم يبق منها على كل حال سوى القداس الذي يقام، سنوياً، على روح الجنرال··
أهمية ''سيجولين'' أنها ليست بطموح ''نيكولا ساركوزي''، تقول: ''الفرنسيون بحاجة إلى مَن يحبهم لا إلى مَن يخيفهم''· الرأي العام زئبقي الآن، لكن السباق مثير· انظروا إنها امرأة· لكل وجهة نظره··

أورينت برس