الاتحاد

دنيا

مسندم.. لوحة طبيعية رسمتها الجغرافيا

التقاء الجبل بالبحر ينطوي على قيمة جمالية كبيرة (الصور من المصدر)

التقاء الجبل بالبحر ينطوي على قيمة جمالية كبيرة (الصور من المصدر)

يوسف البلوشي (مسندم)- مسندم أو رؤوس الجبال كما كانت تسمى في القديم؛ تلك المحافظة الوادعة بين جبال عمان الشاهقة، هي إطلالة عمان على الخليج العربي، وبوابتها في أقصى الشمال. وتدعى مسندم أيضاً “لؤلؤة هرمز”، وهذا ما جعل السلطنة تنشئ عبّارات تدعى هرمز وشناص تنقل الركاب والسياح إلى مدينة خصب، كما يشكل البعد الإنساني فيها صورة للحب والجمال الذي يترجم طيبة العُماني المضياف. والبعد الثالث للمنطقة هو امتداد جسور التنمية العُمانية الشاملة إلى تلك المناطق البعيدة عبر استغلال الطرق البحرية بأحدث وسائل النقل البحري.
مشهد جمالي
تتمتع محافظة مسندم بجمال طبيعي هائل؛ فهي لوحة بانورامية تمتزج فيها صلابة الجبل، الذي ترتطم به أمواج البحر في صداقة حميمية قدرتها إرادة الخالق وظروف الجغرافيا، وهذا الامتزاج غالباً ما يترك في قلب كل من يزورها حنيناً لها، ولمشاهدة لوحات من الجمال يتعانق فيها الجبل والبحر، وتشكل فيه الطرق أعجوبة عندما تخترق تلك الجبال.
ومسندم، التي تتميز بمشهدها الجمالي، وبمدنها وقراها القابعة بين زوايا الجبال، تترك أثراً يجذب كل زائر ويحبه كل ضيف، أما الأدباء والفنانون فيجدون فيها من فنون الجمال والأدب الكثير. وتتكون محافظة مسندم من عدة ولايات هي: خصب وبخا ودبا، وكل منها تقع في تخوم شمال عمان، ورسم لها الإنسان العماني صفحات من النمو الاجتماعي والثقافي لتكون حاضنة الحب والثقافة والحياة في ظل ما ينجم عن العصر الجديد.
وصنعت الحياة في تلك المنطقة تراثا عميقا جذوره ضاربة في الأزمان؛ حيث يشمخ حصن «البلاد»، الذي يتوسط ولاية بخا في قلب محافظة مسندم، وقريبا من الشاطئ. ويرجع تاريخ بنائه إلى عام 1250 هـجرية. كما يقبع حصن «القلعة» الذي يقع على قمة الجبل كاشفاً جهات مسندم الأربعة. كما يشهد المسجد الأثري الذي يقع في ولاية بخا إلى جانب قلعتين بقرية الجادي؛ إن لمسندم تاريخا ممتدا يعود إلى مئات السنين.
ومن معالم مسندم الجميلة “عين الثوارة”، التي تحلى فيها المياه التي لا تنضب. كما تشمخ في ولاية دبا قلعة “السيبة”، التي أعيد بناؤها في عهد السلطان قابوس بن سعيد، كما توجد قلعة سبطان والمقبرة المعروفة بمقبرة «أمير الجيش»، والتي ينسب مؤرخون وجودها إلى حروب الردة.
معالم تاريخية
من معالمها الجميلة التي منها تدفقت روح الشعر والثقافة، وصنعت صورة جمالها الطبيعي تلك الخلجان الواسعة الواقعة في وسط الجبال، والمعروفة بخلجان «الغباين»، والتي يتخذها الصيادون ملجأ لهم عند هياج البحر مثل خور معلى والميم. وتشكل النقوش الصخرية الجميلة، التي استمدت منها مسندم وجهها الثقافي، والمنتشرة في صخور الجبال، شاهداً حضارياً، حيث شكلت هذه النقوش الصخرية متحفاً مفتوحاً تحمل «رسومات وكتابات»، ترجع إلى القرون الهجرية الأولى، إضافة إلى ذلك فهناك المواقع الأثرية التي ترجع إلى العصر الحديدي والأعوام ما بين 1000 إلى 1500 قبل الميلاد، إلى جانب شهرتها بالعديد من المخازن السرية تحت الأرض، والتي يعرفها الأهالي هناك باسم «مخازن الجهل» وبها مقابر كثيرة تنفرد من بينها مقبرة «حجر بني حميد» بوجود النقوش على شواهدها الجنائزية من حجر الرخام الأبيض لأسماء الموتى.
وشكلت تلك الحصون والأبراج التي تعتلي جبالها وسفوحها في كل من مدحاء- الغونة- حجر بني حميد شكلت شواهد جميلة وخلابة، وهي تنتشر فوق قمم الجبال ومبنية من الحصى، وتتخذ شكل المجمعات المؤهلة لتكون أبراجاً للمراقبة.
وتتميز محافظة مسندم ومناطقها المختلفة وطبيعتها الجبلية، فضلاً عن كونها من بين الولايات العمانية التي يتم فيها الري بالأفلاج والعيون، ويتسم أبرز أفلاجها ببرودة مياهه صيفا وحرارتها شتاء، وهو الفلج الذي يحمل اسم «الشيخ محمد بن سالم المدحاني»، إضافة إلى مجموعة من الأفلاج الأخرى أهمها الدائر والعاضد والشريكي والمعترض والعقبة- الرمان والصودق والصاروج.
العيون المائية، التي ظلت متدفقة تنساب منها مياه الحياة لسكان مسندم، هي الأخرى شواهد على جمال المحافظة، ومنها عيون الشريكي واليشمة وحجر بني حميد وعين الصماي المتميزة بمياهها الكبريتية الحارة شتاء والباردة صيفا، والتي يستخدمها الأهالي في الاستشفاء من بعض الأمراض الجلدية معتقدين بدورها الفاعل في ذلك.
وإضافة إلى كل ذلك مما يمكن اعتباره معالم تخلد لمحافظة مسندم ذكرى جميلة، وتحديدا بولاية «مدحاء»، توجد الكهوف والمغارات الجبلية والشجرة المعروفة باسم «الرولة» والتي تتميز بكبر حجمها وقدمها.
ومحافظة مسندم تلك المحافظة الوادعةُ الحالمةُ الواقعةُ على تخومِ عمان الشمالية، تحتضن بين حناياها ذكريات تاريخ عريق حافل بالحوادث المهمة أحيانا والمثيرة أحياناً أخرى، قد لوحتها سطوع الشمس المتدفقة المنعكسة على الجبال، وتهبُّ عليها النسماتُ البحريةُ الرقيقةُ عبرَ فتحةِ مضيق هرمز في رؤوس الجبالِ محملةً ببخار الماءِ، حيثُ يسقطُ مطراً، ويحيلُ أرضها حياة جميلة، تقع في حوضه وتحيطُ بها الهضابُ والجبالُ الشامخة. وكانت مسندم محطة جذب لقوافلِ التجار القادمين من بحور فارس والخليج العربي ِ عبرَ العصورِ، ما أكسبها أهميةً جعلتها تجددُ بناءها، ونتبينُ أهميتها من خلالِ الأحداث التاريخية المتعاقبة عليها عبرَ السنين والأحقاب.

ميناء ومركز صناعي سياحي

تقول الكاتبة الصحفية البريطانية جانيت باجنال: “منذ ستين عاما، كتب المستكشف البريطاني ويلفريد ثيسيجر عن تجربته عندما شد رحاله خلسة إلى سلطنة عمان، وكان أول الأوروبيين الذين يجرؤون على السفر إلى بلد لم يكن الأجانب فيه موضع ترحيب، أما اليوم فإن السياح لديهم مطلق الحرية في التنقل والسفر إلى أي مكان يرغبون في زيارته. والطرق التي شقت هناك تأخذ طريقها الملتوي إلى أعلى صخور الحجر الجيري، وتؤدي إلى مدينة خصب أحد أهم مدن محافظة مسندم، وهي ميناء ومركز صناعي سياحي صغير، حيث أعلنت السلطنة في 2012 عن استثمار 15 بليون دولار لإنشاء 10 منتجعات سياحية جديدة. وبدلا من الواجهات الأنيقة والجدران الزجاجية، فإن السياحة العمانية ترتكز على الطبيعة والتاريخ”.

اقرأ أيضا