صحيفة الاتحاد

دنيا

السحابة الثقيلة


سعاد جواد:


suad-jawad@hotmail.com

كانت والدتي امرأة مختلفة، لا مثيل لها، تتميز بشخصية قوية، أعجبت الكثيرين، واستغرب لها الكثيرون· كانت كالفرس الأصيلة الجامحة، لم يستطع أحد تطويعها وترويضها مع بقية الركب في زمانها·
كانت تدخل مجلس الرجال في منزلهم وتتحدث بلا حرج عن قناعاتها، تؤيدهم مرة وتعارضهم مرات فلا يملكوا إلا الإعجاب بهذا التفرد الذي تميزت به منذ أن كانت في التاسعة من عمرها· دخلت المدرسة ولم تقبل بالكتّاب كأقرانها، أرادت أن تحصل على شهادة، كانت أحلامها كبيرة تفوق زمانها بمراحل· عندما بلغت الخامسة عشرة، أخرجها والدها من المدرسة وقرر تزويجها لابن عمها الذي كان يحبها بجنون·

زواج بالقسر

رفضت وفعلت المستحيل كي تؤثر على والدها ولكنه أصر على قراره فتزوجت وهي مرغمة·
لم يكن سهلاً أبدا على ذلك الزوج العاشق أن يكسب قلبها أو رضاها· فعل كل المستحيلات، ولكنها بقيت متمردة لا ترضاه لنفسها، حتى اضطر والدها للتدخل فأقنعها بالمنطق والعقل والحكمة· فلا توجد فتاة بنت عائلة محترمة تفشل في زواجها وتخرب بيتها بالطلاق· هذه الكلمة مرفوعة من قواميسهم بشكل نهائي، والأفضل لها أن تكون عاقلة وتحاول أن تتكيف مع زوجها· تظاهرت بأنها مقتنعة بكلام أبيها ولكنها بقيت متمنعة أمام زوجها لا تمكنه من نفسها إلا بإذلاله بشكل غير عادي·
أراد أن يكسر كبريائها فتزوج عليها، أحضر لها ضرة تغيظها وتحرك فيها مشاعر الغيرة، ولكنها لم تكترث وبقيت ترفضه وتمرغ حبه لها بطين الرفض والتمنع· لم تنجب منه سوى ولد واحد هو أنا، أنجبتني فقط لحاجتها لما يشغل وقتها، كي تضع لحياتها اهتماما وهدفا يسعدها·

حكمة وبلاغة

تمر السنين وأكبر بين أحضان عقلها وحكمتها وذكائها غير العادي· علمتني الصلابة، علمتني القوة، علمتني عدم الخضوع لأوامر القهر والغلبة· ماذا أقول؟ لقد علمتني الكثير· شجعتني على اكتساب العلم وخوض مجالات جديدة لم يتجرأ الآخرون على خوضها في الفن والأدب·
كانت تردد دائما بأن الإنسان الذي يقلد غيره إنسان تقليدي غير مبدع، والأفضل أن يبتكر لنفسه طرقا جديدة ويبحث عن أبواب لم يدخلها أحد قبله· الأفضل أن يكون الإنسان رائدا في حياته·
لا أدري هل كانت محقة في آرائها أم هي تعيش حالة نادرة لا تودي بصاحبها إلا إلى القلق والتعب؟ فهذا القفز الذي تفكر به ربما يؤدي إلى الكسر والأذى· عموما فالسنين تمر وأنا بين يديها غير قادر على استيعاب دروسها التي لم تكن تناسب نفسيتي التواقة للاستقرار والرضا بالنصيب·
كلما مرت السنين كلما ازداد والدي بعدا عنها بعد أن يئس من تقبلها له فتركنا أنا وهي وتفرغ لبيته الآخر وهو مرغم، وبالطبع فإنه لم يقصر معنا ماديا على الرغم من علمه بأن والدتي قد ورثت المال عن والدها ولديها الخير الكثير·
الصفة الغريبة الأخرى في والدتي هي أنها تحب السفر بشكل غير طبيعي· فلا يكاد يمر عام واحد إلا وأجدنا أنا وهي ومجموعة من النساء الملازمات لها واللاتي تعودت الإنفاق عليهن، لأنها تؤوي لبيتها كل من ترميها ظروف الحياة القاسية بلا مأوى، فتجعلها واحدة من الأسرة، تتمتع بكافة الحقوق وكأنها أختها أو أمها أو خالتها أو عمتها، وهي تناديهن بهذه الألقاب كل بحسب عمرها· كل هذه الأسرة الكبيرة تحزم الحقائب للسفر إلى هذا البلد أو ذاك، فهي تؤمن بأن السفر هو العلاج الوحيد لجميع المشاكل والضغوط النفسية التي يعاني منها الإنسان·
من كثرة أسفارها أصبح لديها العديد من الأسر الصديقة في هذا البلد أو ذاك، تتصل بهم وتسأل عنهم وترسل لهم الهدايا والمساعدات النقدية، وتحل لهم مشاكلهم المادية والمعنوية، وتستقبلهم في بيتها كلما جاءوا لزيارة الدولة·
عندما أنهيت دراستي وتوظفت قامت بتزويجي فأخذت زوجتي معي إلى العاصمة حيث مقر عملي فأخليت لها عناء التفكير والقلق عليّ وأرحت نفسي من كثرة الأسفار التي جعلتني أشعر بنوع من عدم الاستقرار·

أنشطة واسعة

بعد تركي المنزل توسعت أنشطتها وازدادت أسفارها وازداد عدد أصدقائها في بلدان العالم المختلفة· أيضا فقد ازداد عدد زوارها من مختلف الأماكن· ثم صارت تتعاطف مع بعض تلك الأسر الفقيرة وتسمح لهم بالسكن معها في ملاحق صغيرة بنتها في منزلها· وشيئا فشيئا امتلأ المنزل بتلك العائلات المختلفة الجنسيات حتى أنني أصبحت أشعر بالغربة عندما أزورها، فأجد بيتنا وقد تحول إلى فندق يسكنه الغرباء· حتى أنها لم تبق لنفسها إلا غرفة واحدة وصالة ضيقة تستقبل بها ضيوفها من الأقرباء والأهل·
حاولت أن أفهمها بأن لكل شيء حد، ولكنها لا تكترث لي، ولا تدع مجالا لأي شخص ينصحها بأن ما تفعله يلغي خصوصيتها ويؤثر على راحتها وتواصلها معي أنا ولدها ومع زوجتي وأولادي الذين هم أحفادها· فكيف يعقل أن نزورها أو نفكر بالمبيت عندها وهي حتى لا تملك مكانا كافيا لنومها؟ فحتى غرفتها الوحيدة، ملأتها بالنساء المقربات لديها، فأين مكاننا في بيتها؟
أجدها سعيدة بكل ما تفعله وأتمنى أن لا أزعجها بملاحظاتي ورأيي ولكني أخاف عليها من كل تلك الوجوه الغريبة التي تحيط بها·
كنت في زيارة لها أنا وزوجتي وأولادي، وبالطبع فإن الضيق كان باديا علينا ونحن ندخل الى بيت مليء بالغرباء نبحث بين الوجوه المتعددة عن وجه أمي، بصعوبة نجد مكانا ننفرد فيه معها، وبصعوبة تتفرغ للتحدث إلينا·

سحابة الغم

خرجت من عندها وأنا أشعر بالهم، وسحابة التفكير والقلق كانت تجثم فوق صدري· كان الوقت باكرا فاقترحت زوجتي الذهاب لأحد مراكز التسوق· تمشينا هناك وجال بصري بين الوجوه· الشيء العجيب هو أنني أحسست بالغربة، نعم··· تخيلت أنني في بلد آخر غير بلدي· ربما كنت مسافرا وأنا لا أدري· طردت من رأسي التخيلات وأعدت البحث بين الوجوه عن أهل بلدي··· أين هم؟ أتمنى رؤية واحد منهم وسط هذه الحشود· عادت لي التهيؤات وتذكرت بيت أمي، إنها مقارنة غريبة، فهل أنا محق في وساوسي؟
دخلت زوجتي أحد المحلات لتشتري بعض الحاجيات· جلست لأستريح على أحد الكراسي الموزعة في الممر الرئيسي في المركز، قررت أن أمارس لعبة قديمة كنت ألعبها وأنا صبي، أنظر إلى الذين يمرون من أمامي وأحاول اكتشاف جنسية المار من خلال شكله أو ثيابه، وأحسب عدد الجنسيات الموجودة في المكان· عجزت عن العد، فالجنسيات مختلفة وكثيرة، وبصراحة فإنني على الرغم من كثرة أسفاري فإنني لم أحزر كنه جنسية البعض منهم·
الوجوه مختلفة والأشكال والملابس مختلفة ولا أحد يستطيع أن يتكهن بدقة مهما بلغت فراسته·
جلس بالقرب مني رجل تبدو عليه ملامح خليجية، يلبس الدشداسة والغترة على طريقة ذلك البلد· بدأ الرجل بالسلام فسلمت عليه بحرارة، فقد أزاح عني الشعور بالكآبة وهو يحاول أن يفتح آفاق الحديث معي·
تحدثنا عن التسوق ورغبة الحريم التي لا يمكن إشباعها في هذا الجانب وعدم شعورهن بالتعب على الرغم من الساعات الطويلة التي يقضينها في التجول والشراء· ثم تحدثنا عن الجو وغيره من الأحاديث العامة، ثم فاجأني الرجل بقوله: هل تصدق؟ أنك أول مواطن أشاهده منذ وصولي إلى الدولة قبل أربعة أيام؟
عدت من جديد لأفكاري· إذا كانت هذه هي نظرة الزوار لبلدنا، إذن يحق لي أن أفكر وأن أقلق لكل ما يدور من حولي·
أخرجني صوت محدثي من دوامة الأفكار وهو يقول: بعد خروجنا من المطار، وفي طريقنا إلى الفندق، كنت أنظر يمنة ويسرة ومن كل الجهات، لأبحث عن وجه مواطن فلم أجد إلا بصعوبة! ثم دخلنا الفندق شعرت بأنني لن أجد ذلك المواطن أبدا وسط كل تلك الوجوه الأجنبية· فهل يمكنك أن تفسر لي ما يحدث؟
قلت له: لا تزعج نفسك بالأسئلة··· فأنا نفسي لا أملك الرد عليها·

حكاية الجمل

في طريق العودة حكيت لزوجتي ذلك الحديث الذي دار بيني وبين الرجل، فابتسمت وذكرتني بقصة كنت قد حكيتها لها في الماضي عن الأعرابي والجمل، آه تلك القصة! كم هي تشبه ما يحدث حاليا في بيت أمي وفي الوطن· بسرعة اتصلت بأمي لأحكي لها تلك القصة، قلت لها: اسمعي هذه الحكاية يا أمي وحاولي تفسيرها بذكائك المعهود: كان لأعرابي جمل واحد، يضع على ظهره خيمته الصغيرة ومتاعه، في ليلة باردة وممطرة نصب الأعرابي خيمته وجلس في وسطها محتميا بها، مد الجمل رأسه إلى داخل الخيمة فقال الأعرابي في نفسه: ما الضرر في أن يدخل هذا الجمل المسكين رأسه في خيمتي؟ الوضع في الخارج صعب وخيمتي تكفي لدخول رأس الجمل·
بعد فترة بسيطة دفع الجمل نصف جسده إلى داخل الخيمة، فلم يغضب الأعرابي وقال في نفسه: الرحمة حلوة··· إنه مخلوق مسكين يريد أن يتمتع بالدفء الذي أتمتع به، ما الضرر في أن يحشر نصف جسده في خيمتي؟ نام الإعرابي ولم يفكر كثيرا بالأمر، فما كان من الجمل إلا أن أدخل جسده كله إلى داخل الخيمة· استيقظ الإعرابي مذعورا بعد أن بلله المطر ليجد نفسه خارج الخيمة التي لم تعد تتسع إلا للجمل·
استغربت أمي من حكايتي وحاولت أن تعرف قصدي من روايتها، فقلت لها: أنت امرأة ذكية وحكيمة فكري بمغزاها جيدا، وتصرفي قبل أن يبللك المطر وأنت خارج خيمتك فلا تملكي الرجوع إلى داخلها عندما لا يكون لك مكان فيها·
أغلقت الخط وأنا أتمنى أن لا تسيء والدتي فهمي فأنا ولدها وأحبها حبا لا يوصف ولا أريد لها أن تتأذى، فأذيتها هي أذيتي أنا شخصيا·
ألست محقا إذاً في أفكاري المتعبة التي تدور فوق رأسي كسحابة ثقيلة لا أدري ماذا تخبئ؟