صحيفة الاتحاد

دنيا

مرتكبو الحوادث وضحاياها: خسائرها فادحة وحصادها مرٌّ




أم حمزة سيدة محترمة ذات خلق ودين، أم لثلاث بنات وولدين، وتربي ابن أختها ''حمزة'' الذي نجا ووالده من حادث مروري مؤسف أدى إلى وفاة الأسرة بكاملها، فتزوج الأب شقيقة زوجته لتعمل على رعاية ابن أختها·
مرت سنوات عديدة، ورزقت هذه السيدة بابنها البكر إياد ومن ثم ثلاث بنات، وكانت تحرص كل الحرص على أبنائها والاهتمام بهم، وكرست نفسها للاعتناء بصحتهم ودراستهم وتربيتهم تربية صالحة دون أن تفرق بين أحد منهم·
لكن هذه الأم ذاقت الألم مرتين، وفجعت بابنها البكر إياد الذي توفي في حادث مروري على طريق دبي أبوظبي عندما كان ذاهباً برفقة أصدقائه، وكان صديقهم يقود سيارته بسرعة جنونية، فانفجر إطار السيارة وخرجت عن مسارها وارتطمت بعمود كهربائي في الشارع، وكانت نتيجة الحادث إصابات بليغة للشبان راكبي السيارة ووفاة إياد وهو في سنته الجامعية الثانية·
لن تستطيع أي كلمات في العالم أن تسعفني لأصف حالة الأم المكلومة الصابرة المحتسبة فقدان ابنها وأختها في حوادث مرورية· وكلما نظرت إلى ملامح هذه السيدة العظيمة أشعر أنها مسكونة بألم خفي لا يفارق مكانه، رغم أنها كانت طوال اللقاء بشوشة وابتسامتها لا تفارق وجهها·
ثمن الطيش

فاما سميرة فتعرضت لحادث مرور بشع كلفها إحدى قدميها، تقول: ''كنت برفقة أخي عدنان وأختي تسنيم، متجهين من العين إلى أبوظبي، وكان عدنان يقود السيارة بسرعة جنونية (يومها كان في السابعة عشرة من عمره ولم يحصل بعد على رخصة القيادة بعد)· كان الجو ممطراً والشوارع مبللة بالماء، فانزلقت السيارة ثم ارتطمت بعمود الإنارة الكهربائية، ولم أعرف ماذا حصل بالضبط· وجدت نفسي في المستشفى وقدمي شبه ممزقة وبعد عشرات العمليات الجراحية التي أجريت لي كان البتر هو الحل الوحيد لكي لا يصاب جسدي بالغرغرينا·
اسودت الدنيا في عيني والدتي المسكينة التي فقدت أخي وأختي أيضاً في الحادث، ولم تعد تكلم أحداً، معظم الوقت تحمل صورتيهما وتبكي· تدهورت حالتها الصحية كأنما كبرت عشرين عاماً مرة واحدة''·
لم يبق لسميرة بعد هذا الحادث المؤلم سوى نصيحة توجهها لجميع السائقين خاصة الشباب: ''أرجوكم خذوا الحيطة والحذر أثناء القيادة، والتزموا بقواعد المرور قبل أن تقع الفأس في الرأس، كما يقال، وعندها لا ينفع الندم''·

آلام لا تحتمل

محمود يضع كلتا كفيه على رأسه وتلوح الدموع في عينيه وهو يروي لنا قصة حادث مرور مؤسف تعرض له، يقول: ''بينما كنت أقود سيارتي شعرت أن الفرامل فيها خلل، فالسيارة لا تستجيب للوقوف لحظة الضغط عليها بسرعة لكنني أهملت الموضوع وأجلته· وذات يوم بينما كنت أقود سيارتي بسرعة لكي لا أتأخر على فرح أحد أقربائي، عبرت الشارع طفلة في الثامنة من عمرها· ضغطت على الفرامل لكن دون جدوى، وظلت السيارة تسير بسرعة وأنا أضغط وأضغط بلا فائدة· كان الشارع مزدحماً، وفقدت السيطرة على السيارة التي ارتطمت بالطفلة فأخذت أصرخ كالمجنون بينما عجلات السيارة تدوس جسد الطفلة· جاء الإسعاف وتم نقلها إلى المستشفى لكنها فقدت الحياة· لقد غير هذا الحادث حياتي كلها· صورة الطفلة وهي مضرجة بالدماء لا تفارق خيالي، وكلما أغمضت عيني أراها· لقد سيطرت الكوابيس على حياتي ولا أرى نفسي سوى أنني مجرم وقاتل تسببت في وفاة طفلة في أجمل سنوات عمرها دون أي ذنب ارتكبته سوى أنها كانت تركض خلف الكرة· لقد ضاعت سنوات عديدة من عمري خلف قضبان السجن، وأرهقت والدي ووالدتي حتى تمكنا من دفع الدية لذوي الطفلة· تعلمت درساً قاسياً مفاده أن أرواح الآخرين ليست رخيصة، لذلك أدعو كل من يقود سيارة إلى الانتباه ثم الانتباه ثم الانتباه·


دعوة مباركة

لن نجد هنا ما يعبر عن اهتمام الدولة بهذه القضية أفضل من الدعوة المباركة التي أطلقتها سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية ورئيسة الاتحاد النسائي العام بمناسبة الإعلان عن الحملة: ''لا بد أن تتضافر جهود المجتمع بمختلف قطاعاته لوضع حد لمسلسل الهدر البشري المستمر على طرقاتنا، والناجم عن الحوادث المرورية المروعة التي تخطف فلذات أكبادنا، وتحصد أرواح شبابنا، وتغيب أسراً بأكملها، وتستهدف ثروتنا البشرية التي نعلق عليها آمالا كبيرة في المرحلة الوطنية المقبلة، والتي طالما رعاها المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ويحرص على تنميتها وتعزيزها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة (حفظه الله)·

عوامل الخطر

في تشرين الأول/ أكتوبر 2005 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً هاماً بشأن السلامة على الطرق، يرمي إلى الحد من الوفيات والإصابات الناجمة عن حوادث المرور·
ويدعو القرار الدول الأعضاء إلى تنفيذ توصيات التقرير الخاص بالصحة في العالم الذي أصدرته منظمة الصحة العالمية عن الوقاية من إصابات حوادث المرور على الطرق· كما يدعو القرار إلى توجيه اهتمام خاص لخمسة من عوامل الخطر المحددة وهي: أحزمة الأمان ومقاعد السلامة الخاصة بالأطفال، والكحول، والخوذ، والسرعة المفرطة وغير الملائمة، والهياكل الأساسية·

خسائر

يشير التقرير الخاص بالصحة في العالم عن حوادث المرور إلى أن الحوادث هي ثاني أهم أسباب وفيات الأحداث والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين (5 و 29 ) عاماً في جميع أنحاء العالم، وثالث أهم أسباب وفيات أولئك الذين تتراوح أعمارهم بين (30 و 44 ) عاماً· وتتسبب حوادث المرور في مقتل مليون ونصف المليون شخص سنوياً وفي إصابة أو عجز ما يناهز 50 مليون شخص آخرين· وتشير التقديرات إلى أن عدد الوفيات الناجمة عن حوادث المرور سيرتفع بنسبة 80% في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل بحلول عام ،2020 وذلك ما لم تتخذ إجراءات فورية من أجل تحسين السلامة على الطرق·