صحيفة الاتحاد

دنيا

خيانة مشروعة صرخة حتى الموت ضد الفساد

القاهرة - إيمان إبراهيم:
يبدو فيلم ''خيانة مشروعة'' للمخرج خالد يوسف، قريباً في أسلوبه وموضوعه من فيلم ''المذنبون'' الذي قدمه المخرج سعيد مرزوق في عام 1976 وأثار ضجة رقابية وسياسية كبيرة، ليس بسبب جريمة القتل البشعة التي بدأ بها، ولكن بسبب استثمار التحقيق في الجريمة من أجل فضح الفساد·
و''خيانة مشروعة'' أقرب أيضاً إلى فيلم كمال الشيخ ''على من نطلق الرصاص'' الذي قدمه في منتصف السبعينيات قبل ''المذنبون'' بعام واحد··· فالأفلام الثلاثة تبدأ بجريمة قتل ولاتستغرق في تفاصيلها الجنائية كجريمة فردية، بل تأخذنا إلى المجتمع كله، وتحلق أحياناً في أجواء فلسفية عن مغزى القتل وقصص الوفاء والخيانة والحقد والانتقام·
فيلم خالد يوسف الذي يتماس من بعيد مع قصة قتل قابيل لأخيه هابيل، يتخذ من الإطار البوليسي مجرد شكل معبأ بمضامين اجتماعية وسياسية وأخلاقية يبدو أنها تشغل خالد في معظم أفلامه خصوصاً في فيلمه الأول ''العاصفة''، وفيلمه ماقبل الأخير ''ويا'' وهما الفيلمان اللذان تصدى لهما كمخرج- مؤلف، بحيث يمكن القول إنهما مع الفيلم الأخير ''خيانة مشروعة'' تشكل ملامح مشروعه السينمائي الذي يسعى لتعرية المجتمع، من أجل وضعه فوق طاولة التشريح·

يوسف الصغير

ولاتبدو هذه الروح النقدية العنيفة غريبة على خالد يوسف الذي بدأ الانخراط في العمل السياسي مبكراً أثناء دراسته للهندسة، ثم دخل مجال السينما مشبعاً بروح ثورية ناقدة ساعد على بلورتها عمله الطويل مع المخرج الكبير يوسف شاهين كممثل أولاً في فيلم قصير ''القاهرة منورة بأهلها'' ثم تلميذ ومساعد في كتابة السيناريوهات والإخراج·
ولم يكن اقتراب ''يوسف الصغير'' من ''يوسف الكبير'' مجرد مرحلة للتدريب على تقنيات الإخراج، أو بوابة لدخول الوسط بسهولة، لكنه كان بمثابة مدرسة تشبع فيها خالد بالجنون والتمرد الشاهيني، وتسلح بجرأة الأستاذ وقدرته على السباحة ضد التيار، ولهذا تبدو الأفلام التي كتبها خالد بنفسه صادمة للمفاهيم التقليدية، ومغايرة للتيار السائد، ومثيرة لكثير من الجدال والنقاش، وهي كلها تمثل بعضاً من الصفات المصاحبة لأفلام شاهين، لكن أفلام التلميذ النجيب تختلف تماماً من حيث مضمونها وطريقة بنائها ولغتها السينمائية عن أفلام الأستاذ، حتى تلك التي شارك خالد بنفسه في كتابة سيناريوهاتها وإخراجها مع شاهين·
وتبدأ أحداث فيلم ''خيانة مشروعة'' بجريمة قتل يرتكبها الشاب الثري ''هشام البحيري'' ويقوم بدوره هاني سلامة الذي يقتل زوجته ''نهلة'' التي تقوم بدورها ساندي، وشقيقه ''صلاح'' الذي يقوم بدوره الممثل عمرو سعد بعد أن يضبطمها في الفراش معاً في لحظة خيانة مفجعة، تسهل على المحكمة أصدار حكمها بتبرئة القاتل؛ لأنه كان يدافع عن شرفه·
ومع تطور الأحداث نكتشف أن الأخ القاتل هو الوريث الوحيد لثروة أبيه الضخمة، وبالرغم من أنه قتل شقيقه، إلا أن القانون لم يمنع توريثه؛ لأن القتل تم بدافع حماية الشرف، وهذه النهاية لم تكن مقنعة لعدد من المحيطين بالأسرة وأطراف القضية، فبدأوا يفتشون وراء الأخ القاتل عن خيط يفضح جريمته الكاملة· ومن بين المتشككين الصحافية ''ريم'' زوجة الأخ القتيل، وقامت بدورها مي عز الدين، ومحامي الأسرة ''نجيب'' وقام بدوره سامح الصريطي، وضابط المباحث ''مجدي'' وقام بدوره هشام سليم·
ونكتشف أن الأب الذي أسس امبراطوريته الاقتصادية فجأة في فترة الانفتاح كان أحد حيتان الفساد، وأنه أصبح مليونيرا بعد أن توسع في تجارة الأدوية الفاسدة والمنتهية الصلاحية، وأنه غضب على ابنه الأكبر وكتب ثروته كلها للابن الأصغر وحده، وهذه هي النقطة التي أثارت الشكوك، وفتحت الباب لدوافع الغيرة والانتقام والقتل·
ويعرف الضابط مجدي أن زوجة القتيل كانت تعمل صحافية في صحيفة مستقلة، وأنها تعرفت إلى ابن البحيري عندما كلفتها الصحيفة بتحقيق حول فساد شركات الأب، والتف حولها صلاح وتزوجها وأقنعها باعتزال الصحافة·
ويتفق مجدي مع ريم على أن تخبر هشام بأنها حامل، وتطالبه بالميراث على اعتبار أنه من حق الطفل القادم، وتنجح الحيلة، ويبدأ القاتل التقرب منها ويحبها، ويبتعد عن عشيقته ''شهد'' التي تقوم بدورها سمية الخشاب، ويشتعل الصراع الأنثوي بين المرأة الباحثة عن حقيقة مقتل زوجها، والأنثى الجامحة الحاقدة التي اكتوت بنيران الفقر، فتولدت بداخلها نزعة تدميرية، وطاقة كراهية عمياء تجاه المجتمع وبخاصة الأثرياء·

ميراث وخيانة

ومن هنا نكتشف أن الخيانة لم تحدث كما قدمها الفيلم، وأن الأمر كله كان مدبراً من أجل الميراث، وأن العاشقة الحاقدة ''شهد'' هي التي خططت لكل شيء، ووضعت سيناريو الجريمة بتدبير محكم· وتزداد الأحداث تعقيداً وتركيباً على طريقة الدراما الإغريقية· فنرى الأب يفرق بين أبنائه ويكتب الثروة لأحدهما على حساب الآخر، والابن يتواطأ مع فساد والده من أجل المحافظة على أمواله، وشقيقه يقتله ليحصل على نصيبه في الميراث، والحبيب يخون حبيبته، والحبيبة تخون حبيبها ليلقى عقابه في النهاية، والضابط يخون شرف المهنة للوصول إلى الحقيقة، والصحافية الباحثة عن الحقيقة تكذب وتكذب حتى تلتف الكذبة على حياتها كلها· ويتحول الفيلم إلى لعنة تصيب الجميع، بحيث يصبح الموت عقاباً دموياً يذكرنا بالتراجيديات الإغريقية القديمة، وهو الأمر الذي بدا واضحاً حتى عند خالد يوسف نفسه، فهو يبرر ذلك قائلاً: ''لا أستطيع أن أقدم صورة وردية لواقع شديد التخلف''·
وعلى الرغم من كل هذه الميلودراما الفاجعة التي تنامت مع الأحداث، فان المخرج نجح في تقديم عمل يرتكز على التشويق من دون أن يقع في فخ الإطار التقليدي الضيق للفيلم البوليسي، أو يتنازل عن المضمون السياسي والنقدي الفاضح لكل أنواع الفساد في المجتمع فكشف عن المعاملة غير القانونية التي يمارسها رجال الأمن ضد المعتقلين والمحبوسين على ذمة التحقيق، وأظهر بعض المشاهد التي يتم فيها تعذيبهم بأبشع الطرق· كما حرص على أكبر قدر من الواقعية المتشائمة التي قدمت المجتمع وكأنه مستعمرة كبيرة للقهر والفساد على طريقة مستعمرة العقاب عند الكاتب التشيكي فرانتس كافكا، فالقاتل والمقتول ابنان لأب فاسد استثمر الظروف السياسية والاقتصادية في الثراء بأساليب ملتوية على حساب الشعب··· وإن كانت هذه الواقعية لم تغر المخرج بمقاومة الموجة السائدة في السينما المصرية حالياً، والتي تعتمد على مطاردات السيارات، وإحراق وتحطيم بعضها، كدليل على التميز في الإنتاج، وجذب الجمهور المهووس بأفلام الآكشن على الطريقة الأميركية·

المستوى الفني

وعلى المستوى الفني تناغمت عناصر الفيلم السبعة، ونجحت في التوافق من أجل خدمة الدراما، حيث نجح خالد يوسف في إدارة ممثليه، فرأينا هاني سلامة يلعب دور الشاب المفتون بسلطة المال والثروة يتفهم لطبيعة الشخصية التي تتفوق تطلعاتها على إمكاناتها، فهو يبدو منفعلاً طائشاً لكنه يقع كثيراً تحت تأثير امرأة حاقدة تتلاعب به، أما سمية الخشاب فظهرت في أفضل أدوارها خصوصاً أنها كانت شخصية محورية في تحريك الأحداث، كما ظهرت مي عز الدين في دور مختلف أضاف إليها الكثير بعد ظهورها المثير للجدل في فيلم ''أيظن''، وأدى هشام سليم دوره بهدوء يقترب من البرود الذي يليق بضابط مباحث عنيد، وإن كان السيناريو لم يساعده كثيراً على التألق، على عكس سامح الصريطى الذي وجد فرصته أخيراً في السينما، ولا ندري هل تعوضه الأيام ويلتحق بقائمة الممثلين الذين انتشروا في سن متأخرة، أم يعود إلى مساحات الظل التي عاناها طويلاً، ومن الوجوه الجديدة نجح عمرو سعد في تلوين أدائه بين قوة رجل الأعمال الواثق بنفوذه وضعف الأخ الذي تكمن فيه مشاعر إنسانية تنزع عنه القناع الشيطاني·
وفي بقية العناصر لمسنا بساطة وعمق الإضاءة والتصوير تحت إدارة سمير بهزان، وسلاسة وتدفق المونتاج الذي قامت به غادة عز الدين، وإن بدا واضحاً أن الإيقاع أكثر سخونة في النصف الأول من الفيلم، فيما زاد عدد اللقطات في المشهد وتباطأ الإيقاع في النصف الثاني لصالح الحوار واللقطات الطويلة، وامتزجت موسيقى ياسر عبد الرحمن مع الجو العام للفيلم، ولم نشعر بلمسات الديكور الذي صممه الفنان حامد حمدان مما يدل على ارتباطه العضوي بالأحداث واقترابه من الواقع دون افتعال، وهو ما حاول الفيلم بشكل عام أن يحققه، وأظن أنه نجح إلى حد معقول·