الاتحاد

دنيا

الساخرون تررررن!

يحكي د· جلال أمين أن أباه المفكر الإسلامي الشهير أحمد أمين سمع للمرة الأولى عن دخول اختراع اسمه الهاتف إلى مصر، فسأل الناس عن نفعه·· فقالوا له: حتى إذا ما احتاج إليك أحد قرع الجرس واتصل بك· قال لهم: هكذا خادمي·· أحتاج له فأقرع الجرس!·· وظل يرفض تركيب جهاز هاتف لفترة طويلة·
ما زلت أجد كلام الرجل عبقرياً بعيد النظر فعلاً، ولا أخص بكلامي الهاتف الجوال فهو اختراع كريه آخر أقرب وصف له أنه عقرب في جيبك لا تعرف متى يلدغك· جرب أن تتعطل سيارتك في الصحراء، أو يحيط بك ستة من المسلحين ينوون ذبحك، أو تصاب - لا سمح الله - بنوبة قلبية في مصعد معطل في بناية تحترق، ولسوف تكتشف أن الجوال لا يعمل أبداً عندما تتوقف حياتك عليه·
الجوال كارثة كونية، لكني أتحدث هنا عن الهاتف العادي الذي هو اقتحام وقح دائم لخصوصيتك وأفكارك· أنا أكتب هذا المقال الآن وأنوي أن أرسله لـ ''دنيا''· لا أعرف كيف سينتهي لأن الفكرة ما زالت ذائبة في عقلي لم تتبلور بعد·· سوف·· تررررن!·· أوقع دستة من الأقلام على الأرض كي ألحق بالسماعة·· هنا يأتي صوت من يقول لي:
ـ''الحاجة عفاف·· لقد عاودها الدوار بعد ما تعاطت تلك الأقراص التي وصفتها لها·· تناولت قرصاً فصرخت وسقطت على الأرض والزبد يخرج من شدقيها·· إنها تموت الآن·· تعال حالاً··''·
لا تنس أنني طبيب ولم أعتزل المهنة· طبعاً لا تحاول فهم كيف تتسبب بعض أقراص فيتامين (ب) في هذا كله، وكيف يقتل القرص وهو ما زال في فم المريضة كأنه سيانيد مما ينتحر به الجواسيس قبل الاستجواب· المهم أنني أمضي مع الرجل نصف ساعة حتى أدرك أخيراً أن الحاجة (عفاف) بخير وأنها فقط تريد أن تعيد الكشف مجاناً·
عم كنا نتكلم عن الـ·· تررررن !·
آلو !·· هناك فتاة حزينة تقول لي في حزم: ''عندما حدثتك عن قصتي مع عماد لم أتوقع أن تخبر نرمين بذلك·· أنت تعرف أن الشرنوبي يبحث عن أي زلة لي كي يخبر هويدا''·
طبعا لا أعرف حرفاً عن عماد ونرمين والشرنوبي الوغد الذي ينتظر زلة ليخبر هويدا·· أمضي ربع ساعة حتى أفهم وأعتذر عن شيء لا أذكر حرفاً منه· الآن نكمل المقال·· كنت أتحدث عن الفضائيات على ما أذكر·· لا·· كنت سأتحدث عن الهاتف المزعج الذي ·· تررررررن!
آلو·· نحن جمعية المعلومات الشبابية المستقبلية المقننة لما بعد الحداثة·· كنا نود معرفة رأيك في المعلومات الشبابية المستقبلية المقننة لما بعد الحداثة·· لا أعرف شيئاً عن الموضوع يا سيدي·· يجب أن تطلبوا رأي من له باع في المعلومات الشبابية المستقبلية المقننة لما بعد الحداثة·
عم كنا نتكلم ؟·· تررررن ؟·· صوت طفل·· أنا هيثم يا عمو·· هل محمد عندك ؟·· أنادي ابني كي يرد وأتمنى أن يستغرق وقتاً طويلاً لأن هذه الطريقة الوحيدة كي يخرس هذا الوحش·
ترررن !·· متى وضع ابني السماعة ؟·· أمد يدي فأسقط باقي لفافة التبغ المشتعلة على سروالي فأهب صارخاً بحثاً عن الزهرة المحترقة·· أين ؟·· أتواثب كالبرغوث في الغرفة ثم أرفع السماعة·
آلو !·· صوت رجل ظريف يقول لي: ''خمن من أنا ؟·· أحقا لا تعرف·· لا·· لا·· أنا فعلاً متضايق·· كنت أتصور أي شيء إلا أن تنساني ''·
ـ''سيدي·· هلا قلت من أنت وأرحتني؟''·
ـ ''لا · لا·· ليس بهذه السهولة·· فكر قليلاً!''·
أخيراً وبعد نصف ساعة يخبرني أنه سيد البهنساوي·
ـ''ومن هو سيد البهنساوي؟''·
يطقطق بشفتيه مستنكراً·· تؤ·· تؤ·· بهذه السرعة نسيت؟·· في تلك الندوة منذ ثلاثة أعوام قابلتك مع علاء البنهاوي وقلت لك إنني قريب محسن·· من هو محسن ومن هو علاء؟··· أحتاج لربع ساعة كي أتذكر ·
أضع السماعة وأفصل السلك نهائياً·· أمضي ساعتين من السلام حتى أفاجأ بأن زوجتي تخبرني أن أختي كلمتها على الجوال·· إنها تحاول الاتصال بي منذ ساعتين لأمر طارئ ·· يا أخي حرام عليك·· هل يوجد عمل في الدنيا أهم من أختك؟·
في النهاية أعيد توصيل السلك وأحاول تذكر ما كنت أفعله، عندما أتلقى مكالمة أخرى من رجل يخبرني أن الحاجة (عفاف) تزداد سوءاً·· يبدو أن عندها حساسية قاتلة من فيتامين (ب)··
عم كنت أتكلم ؟·· لقد نسيت·· آه·· هل تعرف لماذا صار الجاحظ هو الجاحظ والمتنبي هو المتنبي، وتشارلز ديكنز هو تشارلز ديكنز ؟
كان الأمر سهلاً بالنسبة لهم لأنه لم يكن في بيوتهم هاتف !

رهاب الاعتماد
مرض يطيل العمر


إذا أردت أن تعيش مئة سنة أو تزيد، فعليك أن تخفّض مستوى الكوارث والمصائب التي قد تتعرّض لها إلى أقل حد، وذلك بالاعتماد على نفسك في كل شيء، والشعار الذي يجب أن ترفعه هو: ''لا أحد يخاف عليّ كما أخاف على نفسي''·
حين تقود سيارتك، لا تعتمد على الآخرين بل افترض فيهم ''الغباء الموتري''، وتخيّل أن الذي يسير بمحاذاتك سينحرف عليك، ولا تتخيّل العكس، أي أنه منتبه إليك· ولا تعتمد على خبرة معلم ''الشيشة'' وهو قادم إليك حاملاً صينية الشاي والقهوة ويغني مثل أم كلثوم: ''الشاي·· الشاي·· الشاي·· الشاي يا حبيبي الشاي·· قبل ما أشوفك تشرب شاي''، بل اجلس متحفزاً لطيشه ومتهيئاً للقفز في حال وقعت منه الصينية وانسكب الشاي الساخن على صلعتك المباركة فطبخها· وفي الملحمة وأمام القصّاب، لا تعتمد على شطارته وهو يداعب الساطور، بل توقع أنه أرعن وأكثر تهوّراً من مؤدي العروض الخطرة في الأفلام الأميركية، وأن الساطور يمكن أن تطير من يديه الكريمتين ليسقط على جبهتك السمراء وبين عينيك الجميلتين، لذلك قف مبتعداً عنه بمسافة مقبولة وآمنة·
اترك عنك عبارة: هو سيؤدي عمله بإخلاص· لا تتوقع أن يعمل أي شخص في هذا العالم عملاً يخصك أو أنت مرتبط به أو موجود فيه، ولو بالصدفة، بشكل سليم· اجعل السليم والاحترافي والشطارة فيك ولا تلبسها غيرك مجاناً· وأنت هنا لا تسيء الظن بالناس، وإنما تحاول ألا تسلّم قمقم حياتك للآخرين: يفتحون القمقم فتنطلق روحك، خصوصاً أن الذين تراهم أو تتعامل معهم ليسوا أولاد عمك أو خالك، حتى هؤلاء، توقع منهم المصائب، فـ ''الأقارب عقارب''·
وتذكّر دائماً قصة الممثل الإيراني الذي لم يسمع كلامي، لأنني لم أكن قد كتبته بعد، حين أكدت شركة الكهرباء الإيرانية، أثناء تصوير مشهد في فيلم عن سرقة الكابلات الكهربائية، أن الكابلات الموجودة في موقع التصوير لا يسري فيها لا الماء ولا الكهرباء، فاعتمد الممثل على كلام الشركة وتحريض المؤلف واستعجال المخرج وبخل المنتج، فأمسك الكيبل فصُعق واضطر الأطباء إلى بتر أصابع يديه وقدميه التي ''تشوّطت''·
وهذان مريضان اسمهما ''ايمانويل'' دخلا مستشفى في تنزانيا لإجراء عملية، للأول في الركبة، وللثاني في المخ لاستئصال ورم· لكن الأطباء فتحوا رأس ''أبو ركبة''، ولم يجدوا فيه شيئاً غير شريط الذكريات، وقطعوا ركبة ''أبو مخ'' وجعلوه معاقاً قبل أن يموت من الورم· وكان يمكن للـ ''ايمانويليْن'' أن يضعا علامة بعبوة الرش على موضع المرض أو الألم، لا أن يعتمدا على الأطباء الذين مثلهم مثل باقي الموظفين في الأرض، يتقاعسون ويهملون ويستعجلون في فتح الرؤوس وبطر البطون ليتمكنوا من العودة إلى بيوتهم وكتابة القصص والمقالات·
وتبقى الطائرة المكان الوحيد الذي يمكنك فيه الاعتماد على غيرك، ففي هذا المكان سلّم نفسك إلى الطيار الأحمق ومساعده شهاب الدين الذي هو (···) من أخيه، فربما يفرطان في الأكل ثم يتركان قمرة القيادة للذهاب إلى ''دار القضاء العالي'' ثم يحدث عطب في باب الدار ويظل الأخوين ''رايت'' حبيسي الحمامين وتذهب أنت وركاب الطائرة شهداء عضلات معدتهما·
هل هذا يعني أنك تعيش جباناً؟ نعم، فالمثل الشعبي يقول: ''عيش جبان تعيش لأمك زمان''، فحين تكون جباناً ستعيش بين أهلك، تقبّل رأس أمك دائماً حتى تُحدث فجوة في جمجمتها، وتفرح هي بزواجك وزواج أولادك وأحفادك، ثم تسهر على راحتها حين تعجز عن الحركة وتلف بها الدنيا وهي تجلس ''تقزقز لب'' على كرسي متحرك· أما حين تكون شجاعاً وتؤمن أن الناس مخلصون في عملهم فأنت معرض لخطر الموت بلا سبب· وستبقى أمك من بعدك تذرف الدموع· وقد تشيخ ولا تجد من يرعاها وتنشر الصحف أخبارها ''بمانشيت'' كبير: أم الشجاع·· في الشارع بلا رعاية·
أن تصاب بمرض '(Reliance Phobia)، أي رهاب الاعتماد، وهو مرض ومصطلح أتشرف باختراعه، خير لك عشرة آلاف مرة من أن تلقى حتفك وأنت جاحظ العينين متعجباً من الطريقة التي تموت فيها على يد شخص غبي لا يُعتمد عليه·




أحمد أميري

برج مال نفرات ما في مخ !!

لأني لا أؤمن إلا بوجود الأبراج الحقيقية وليس أبراج الحظ في الكتب والمجلات والصحف ومواقع شبكة الانترنت هذه الأيام، كان جوابي المفضل لكل من يسألني عن برجي ببساطة: ''أنا من مواليد برج بيزا، الطابق العاشر''!· ولا أزعم وحدي السخرية من الأبراج فبنقرة بسيطة على محركات بحث النت يمكنكم العثور على عشرات المواقع والمنتديات الطريفة التي يروج فيها الشباب أجمل التعليقات الساخرة من الأبراج مثل ''برجك بالهندي'' و''برجك بالمصري'' وبرجك بالصعيدي'' وبرجك بالخليجي'' وسواها· ومن باب الفضول حاولت التعرف على برجي بالهندي، وهو برج الثور فوجدته يحمل اسم ''برج مال نفرات ما في مخ''! أما برج العذراء فيقابله ''برج مال بنيّة ما في عروس'' ويقول طالعه: ''مشكل مع صديق مسخرة مع نفرات في طريق، جرجر مع رفيق، يروح شرطة، كنسل إقامة، وبعدين لسان واجد تويل، إنته في ترحيل''·
أما طوالع الأبراج المصرية فكانت دسمة بالمفاجآت، حيث يقول طالع برج السرطان: ''إنته برج مائي ما يحبش البر، صحتك في خطر، إشرب زيت خروع قبل ما اتروح المدرسة''! في حين يقول طالع لصاحب برج الدلو: ''انسى يطلع لك شنب، ولو بنت انسي يطلع أي معلم من معالم الأنوسة''! أما برج العقرب فيقول: ''الأسبوع ده هتقضيه كله خناقات مع الناس، اعمل حسابك يكون معاك فلوس علشان مصارف العلاج عند الدكتور''· أما برج الجوزاء فيقول: ''مش معنى إنو المدير مبسوط منك تروح تتهور وتطلب إيد بنته''!، في حين يقول طالع برج الجدي: ''الشتا عمل عمايله في وشِّك، لا كريمات نافعة معاكي ولا زبدة كاكاو، اشربي ليمون متلّج''!·
وفي سياق لعنة الأبراج العصرية التي تحاصرنا في كل مكان، تعود بي الذاكرة إلى أول عمل في حياتي الصحفية، حين عملت في صحيفة بحرينية فاشتكى مدير التحرير من تأخر تسليم زميل لمادته الصحفية، وكان يعد زاوية الأبراج بالإضافة لتغطيته قضايا المحاكم في صفحة: ''الناس والقانون'' فتوجهت إليه مستغربا الأمر، فقال لي متذمرا: ''والله رأسي بيفقع من هالشغلة، ورطوني فيها نقات من مجلات لحد خلصت، ألفت لحد ما بقت كذبة أكذبها على الناس، لا وأزيدك من الشعر بيت، يطلبون مني كتابة كلام حلو لأن الزاوية مقروءة وفي ناس واجد تهتم فيها وتتصل، ايشيلونها عني ويريحوني يا أخي''! وبعد تلك الحادثة حاولت عبثا أن أقنع بعض معارفي بحيثيات الأمر، فأنكروا علي صدق حديثي زاعمين أن الجريدة تتعامل مع خبراء فلكيين لكتابة زاوية الأبراج· فقلت في نفسي: ''إلى الجحيم، هناك أناس يبهجها أن تكذب على نفسها وإن لم تجد كذبة ذاتية، تحبذ أن يكذب عليها الآخرون، وعجبي·

محمد الحلواجي

يوميات عباس وشقية

شقية: الله هل ترى ما أرى يا عباس؟ أنظر، ألا يذكرك هذين الزوجين اللذين يتناجيان كزوجي كناري ببدايات زواجنا أو حتى بأيام الخطوبة؟·
عباس: أي خطوبة وأي زواج·· بعدين إنتي يالسة تراقبين الناس؟!·· عيب عيب، خلي الناس في حالها!·
هي: لماذا كل هذا؟ كل ما في الموضوع أن هذين الزوجين ذكراني بالذي كان وأتحسر على ما أنا فيه الآن·· حنين للذي مضى وأصبح في خبر كان يا حبيبي!·
هو: إنتي إنسانة فاضية، وتعيشين حالة من الرومانسية العارضة، الله يشفيك!·· لا تخافين لا يغرك هذا الانسجام· الخير جدام·· ''بكره نقعد عند الحيطة ونسمع الزيطة''!·
هي: الله وأكبر·· لو كنت تعرفهم وبينك وبينهم ثار لما تمنيت لهم كل هذه الأمنيات والبشائر·· أين رومانسيتك؟ إني أفتقدها يا عباس·· وين أيام أغاني ميحد ومحمد عبده ''أحبك يا نظر عيني غناتي''، و''أيوووه قلبي عليك التاع'' و''يا بنت النور''؟!·· خلاص انتهى ·· كان زمان؟·
هو: أهووو·· أنت تتذكرين أم تحلمين؟!·· حبيبتي بعد ما طاح الفأس بالرأس·· فلابد من أن نفوق ونتعامل مع الواقع بجدية أكثر ·· إصحي يا بنتي ·· (البيض ارتفع، والخبز ارتفع، والبترول، والعيش والدهن، حتى رأس الشيشة ارتفع) وانتي يالسة على الأطلال ''ترجعين''· شو هذا·· بس يكفي مراقبة الناس·· على الأقل احترمي وجودي·· تصدقين إني جعت·· حسبي الله على عدوك!
هي: هذا كل ما يهمك·· بطنك!·· أعتقد كان الغدا مجبوس هامور وأكلت حتى قيّلت مكانك لكثرة ما أكلت وطحنت!·
هو: هذا كان الساعة أربع· الآن الساعة ثمان·· نأخذ شي خفيف، فيجب أن نوازن طالما الغداء كان ثقيل!·
هي: أوكي حبيبي هذه فرصة ·· لماذا لا نذهب إلى الشيراتون·· ونسترجع أيامنا الخوالي الجميلة، والأجواء الرومانطيقية في المطعم الصيني الذي تحيد؟!·
هو: إنتي شكلك اليوم مب ناوية تجيبيها البَرْ!·· آخذك لمطعم في فندق وأدفع 800 درهم على صحنين باتسين ما يشبعن طير·· ليش؟!·· خل الموضوع عليّة لا تخافين·· بوديك مطعم عجيب واحد من الشباب جرب أكله، فنان·· بس نخطف حالنا أول البيت نأخذ صحن أو صينية حتى لا ندفع تأمين أو نشتريها·· هذا أحسن مطعم يسوي مظبي ومندي في أبوظبي!·
هي: عباس!·· قبل أن نذهب إلى البيت لنأخذ الصحن·· فديتك وفديت الأم اللي جابتك·· خذني إلى بيت أهلي·· وبكرة توصلني ورقة طلاقي!·
هو: والعشاء·· آكله بروحي؟!··· صدق إنك شقية!
هي: وصدق إنك عباس!·

فاطمة اللامي

اقرأ أيضا