صحيفة الاتحاد

الإمارات

وليد علاء الدين: الشعر.. الصورة الأكثر تجريداً للمسرح

الاتحاد ـ خاص:

في الوقت الذي ينتظر فيه الشاعر المصري المقيم في الإمارات وليد علاء الدين صدور كتابه الشعري الجديد ''تُفسّر أعضاءها للوقت'' من بيروت، أعلنت دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة مؤخراً عن فوز مسرحيته ''العصفور'' بالمركز الثاني في جوائز الشارقة للإبداع العربي· ورأى علاء الدين في حصول عمله على الجائزة حافزاً له لإنجاز مشاريعه المسرحية·
صدر لوليد علاء الدين كتاب شعري بعنوان ''تردني لغتي إليّ''، و ينتظر الآن صدور كتابه الجديد ''تينة تفسر أعضاءها للوقت''، كما يعكف على الانتهاء من كتاب له في فن الرحلة بعنوان ''خطوة في اتساع الأزرق''·
''الاتحاد'' التقت به بمناسبة فوزه بجوائز الشارقة للإبداع العربي، ودار الحوار التالي:
فازت مسرحيتك بجائزة الشارقة للإبداع العربي، ما علاقة تجربتك المسرحية بتجربتك الشعرية؟·
لست أعرف ما العلاقة على وجه التحديد، ولكن لدي شعور بأنهما كيان واحد، وأظن أن الشعر هو الصورة الأكثر تجريداً للمسرح، والفارق أنني أشعر بحرية أكثر مع المسرح الذي أجده يستوعب قدراً أكبر من طاقتي ومخيلتي، ويعطيني المجال للتحليق وخلق الكائنات وتحريكها، فأنا أكتب النص المسرحي بشحنة عالية من الشعرية والتخيل وأجد متعة كبيرة في التنقل بين أكثر من شخصية لأتحدث من زاويتها، مع الانشغال بالجو العام للعرض، أنا أكتب وأمارس الإخراج من وجهة نظري أيضاً أثناء الكتابة، فأحدد تفاصيل الخشبة وألوانها وحركات الشخصيات التي لا يمكن فصلها عنهم؛ لأنها تستكمل أبعادهم وتستكمل تصاعد الحدث· مشكلتي أنني أعمل بمزاجية عالية، وكل نصوصي المسرحية تقريباً مفتوحة ولا أستطيع مقاومة إغراء اللعب بها بشكل دائم، ولا أتوقع أن الكتاب الذي يضم تلك النصوص سوف يرى النور قريباً، بالرغم من أن حصول أحد نصوصي على مركز في جائزة الشارقة للإبداع العربي قد منحني دفعة قوية ورغبة في استكمال العديد من مشاريعي المسرحية القائمة·
وماذا عن طبيعة علاقتك بالشعر؟·
وكأنني مطالب بأن أقدم وصفاً لوجهي: ''وجهك يارجل، ألا تستطيع أن تقدم وصفاً لوجهك؟!!'' هكذا يصرخ السؤال، إلا أنك أمام وجهك لن تستطيع أن تنبس بكلمة موثوقة، فقط ستبوح بانطباعات وأفكار ربما تكون كفيلة بتدمير روحك، فلكي تكون صادقاً وأنت تقدم وصفاً لوجهك، عليك أن تشرع في تشريح للروح، هذه التي لا يمكن تقديمها على طبق، بينما يمكن تشظيتها في نصوص من كلام·
هل يكون الشعر ذلك الوجه الذي لا يمكن وصفه دون اختراق كنه الروح، أم أنه الروح التي لا يمكن أسرها إلا قتيلة، ووقتها يتوقف الكلام ويصبح السؤال لا محل له من الوجود؟· ربما فالشعر وجه في روح، و روح في وجه· الشعر إذن هو لمحة استطاعت أن تضيء عتمةً فيك، ولأنه روح فهو لا يستقر، إنما يتجلى ويغيب، يلمس ويروح، ويبقى في لمسته، ولأنه وجه فهو إنسان، إنه قادر على أن يكون لك أو عليك·
لاحظتُ أنك تكتب التفعيلة وقصيدة النثر وتمزج بينهما أحياناً، أين موقعك من الجدل الدائر حول شكل القصيدة؟·
عندما أكتب لا أنتبه إلى الخلافات القائمة حول الشكل، وانتماء هذا الشكل والجبهة التي تتصدى للدفاع عنه، وما غير ذلك، لأن الشاعر ينتج للناقد ما ينشغل به وليس العكس· وفي اعتقادي أن الشعر والتشكيل والفنون والإبداع بشكل عام لا يمكن أن تخضع لتنظيرات مسبقة، بل إنه ليس من السهل أن نخضعها لحكم موضوعي سابق أو لاحق، لأنها في البداية والنهاية كائنات تكتسب شرعية وجودها من علاقتها بكائنات أخرى على الطرفين ''الإنتاج والتلقي'' هذه الكائنات متطورة ونامية ترتبط في ذلك طردياً مع الزمن، لذلك فإن القصيدة ـ النص ـ هذا الكائن المكتوب مرهون بكل هذه التغيرات، هو من ناحية خاضع لثقافة أنتجته، وخاضع لذائقة القارئ الذي سوف يستقبله، ومدى قدرته على التواصل ثم الاستيعاب، وإعادة ترتيب النص وفقاً لرؤيته، وأعتقد أن الحكم على النصوص من منطلق واحد أي وفق شكل أو فورم واحد أو روح واحدة لابد وأنه حكم جائر لأنه دعوة لإغلاق أبواب الاجتهاد في النص الأدبي كما أُغلقت في النص الديني وعلينا في هذه الحالة أن نسلم بذائقة النقاد - باعتبارهم أهل العلم- ونؤمن على آرائهم وتقسيماتهم لإقطاعيات الإبداع·
لديك تجربة في إعادة قراءة الأدب المصري القديم، حدثنا عنها؟·
اكتشفت نصوصاً غاية في الإبداع كتبها الشاعر الفرعوني قبل آلاف السنوات تلامس هموماً نعيشها، وتدق أبواب جماليات نحوم حولها اليوم آملين الوقوع في عسلها عسانا نرشف منه رشفةً تروي ظمأنا للشعر، من هنا جاءت فكرة نص أنشغل بها الآن أسميه ''أصل الأشياء ·· الذي يخرج عن اللسان'' أحاول فيه أن أعيد كتابة ما قرأتُه في الأدب الفرعوني، وهو عمل طويل اندمجتُ في كتابته إلى درجة الخوف من التوقف للمراجعة، دفعاً لإحساس داخلي بأن ثمة خللاً يبتعد بهذه الكتابة عن روح الشعر، ولكنني استطردت مأخوذاً بما عثرت عليه في كتابات المصري القديم التي كانت ومازالت حضارته مظلومة إلى حد كبير ومختصرة بابتذال في قطع من الحجارة والآثار المادية، بالرغم أن ما خلفته على مستوى الفكر والفن والأدب يناهز حضارات أخرى وربما يفوقها ويسبقها، ويكفى أنّ أقدمَ دراما عرفها الإنسان كانت فرعونية وليست إغريقية كما هو شائع·
وقد وصفتْ مداخلةٌ نقدية محاولة ''أصل الأشياء'' من خلال مقاطع نشرتها الصحافة العربية بأنها ''كتابة تشبه محاولة التملص''، وبالفعل أنا أكتب محاولاً الدفاع عن نفسي الخاص وسط هواء أسطوري ساحر يغلف المكان يمتد بعمق إلى آلاف السنوات، كم كان الإنسان مرهفاً وشاعراً في ذلك الوقت، وما أشبه ما كان يعانيه بما نعانيه اليوم·