صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

سياسة الطاقة اليابانية (2-2)

بقلم - راشد خلفان المزروعي:

لقد حان الوقت لننتقل بمستوى تجارتنا النفطية إلى مرحلة جديدة يطلق عليها ''التنوع في الإنتاج والاستهلاك''· وهذا التنوع يجب أن يكون من خلال الاستثمار في حقول النفط والغاز في دول أخرى شقيقة وصديقة، بل وحتى في المصافي وشبكات الاستيراد والتوزيع تماماً مثل الشركات اليابانية، فمساهمة الإمارات بذلك ستكون اقتصادية في البداية، ومن ثم ستكون الاستفادةُ اقتصاديةٍ وعلميةً وعمليةً·
ونمتلك في الإمارات كذلك رصيداً من الشركات التي احتضنت العولمة بصدر رحب وابتكرت وأبدعت وأصبحت منافساً إقليمياً وعالمياً في مجالاتها، وأذكر منها ''اتصالات''، و''موانئ دبي''، و''طيران الإمارات''· وإكمالاً لهذه المسيرة يجب أن تكون لدينا كذلك شركات نفطيةٌ مستثمرةٌ ومنافسة في الداخل والخارج على طراز الشركات النفطية العالمية·
قد يقول قائل: إن الإمارات لا تستطيع أن تطبّق خطةً كالتي رسمتها اليابان لنفسها في شؤون النفط، وأقول: هذا ليس صحيحاً؛ لأن الشركات الإماراتية أثبتت أنّها تستطيع الريادة، فضلاً عن المنافسة· ومجال النفط ليس أكثر صعوبة من القطاعات الأخرى التي أصبحنا رواداً فيها، والمفتاح لمواكبة العولمة النفطية إلى جانب الإدارة والاستثمار هو زيادة التركيز على البحث العلمي، والدفع بعجلة البحث والتطوير من خلال إجراء التجارب والأخذ باقتراحات العلماء والفنيين·
ولا أقصد بالاستثمار شراء الأسهم فقط، وإن كان هذا جانباً مهماً وإيجابياً، بل أقصد بالاستثمار نقل شركاتنا النفطية من كونها إنتاجية عاملة إلى شركاتٍ منتجةٍ ومستثمرةٍ ومسوقةٍ على نطاق دولي واسع· ولا نكتفي بذلك، بل نضع لشركاتنا خطة كالخطة اليابانية السالفة الذكر، فعلى سبيل المثال نضع لها هدفاً مبدئياً، كأن لا يتعدى دخل هذه الشركة بحلول عام 2015 الـ 60% من مواردنا المحلية ''أي النفط والغاز الإماراتي''، والـ 40% الباقية من خلال الاستثمار في الخارج· والنسبة التي ذكرتها على سبيل المثال والتشبيه فقط، أما الأرقام الفعلية تكون بعد دراسة الخيارات المتاحة حتى تكون عملية يمكن تحقيقها·
وتتمثل فائدة الدولة من تلك الخطة في عدة أوجه، أولها وأهمها مالياً حيث تصبح الشركات الإماراتية مستثمرةً في مجالات عديدة، وبذلك تتنوع مصادر دخلها من الإنتاج والبيع والتوزيع· فالشركات النفطية العالمية تساهم في الحقول، ولها دور فعال كذلك في عملية التوزيع·
ثانياً، المساهمة في الخارج تدفع بمستوى إدارتنا لمواردنا الوطنية، حيث نستفيد من تجارب الآخرين، وفي الوقت نفسه ننمي تجربتنا الذاتية· وعلى مستوى الموارد البشرية يصبح لدينا بحر زاخر من المهندسين والفنيين والمسوقين على درجة أقوى في الأداء، نتيجة لتجربتهم العملية في التعامل مع البيئات والثقافات المختلفة· ثالثاً، نصبح على درايةٍ تامةٍ بالمستجدات في الأسواق وفي التطور التكنولوجي، ليس من خلال ما يقوله لنا الخبراءُ الأجانب فقط - وهم غير حريصين أصلاً على تعليمنا بها، ولا من خلال حضور المؤتمرات والندوات، بل من خلال مساهمتنا العملية الفعّالة في هذه القطاعات، فنكون على علم كامل باتجاهات الأسواق والعوامل التي تدخل في التسعير·
ختاماً، هدفي من الإشارة إلى الخطة اليابانية أن الأمم تفكر في تنويع مصادر طاقتها، مما يعني أنّ علينا كذلك التفكير في طرق لتنويع الإنتاج، والبدء بالاستثمار في القطاعات كافة التي تخص الطاقة· وأنا على علم ببعض الشركات المحلية التي تقوم بالاستثمار عن طريق شراء الأسهم كشركتي ''طاقة''، و''دانة غاز''، ولكن ما أقصده هو المشاركةُ الفعليةُ العمليةُ في الخارج· وللقطاع الخاص في أبوظبي سجل حافل حتى في قطاع النفط، خُذ مثلاً شركة ''أدماسكو'' التي حصلت على عقود حفرٍ في دولٍ خليجيةٍ وعربيةٍ شقيقةٍ، مما أتاح لها المشاركة الفعليّة واكتساب الخبرة على الصعيد الإقليمي· ما نريده وما ندعُو إليه هو أن تقوم شركات طاقة ضخمة، لها رصيدٌ من الإنتاج داخل الدولة حتى تفتح لها الأبواب في الخارج بالمشاركة في قطاعات الطاقة كافة· الآن ونتيجة لارتفاع أسعار النفط فإنّ أبواب الدول الشقيقة والصديقة مفتوحةٌ على مصراعيها للاستثمار والمشاركة الفعلية، والإمارات دولةٌ صديقةٌ لكل الشعوب واستثماراتها وأعمالها مُرحّبٌ بها· فلتستغل هذه الطفرة وهذه السمعة!·

خبير نفطي- اليابان
ralmazrouei@gmail.com