الاتحاد

دنيا

سينما المرأة العربية·· منتهى الخصوصية

''يكفيني فخراً أيها السادة، أن صناعة السينما قد تقدمت هذا التقدم الكبير، وأن أكون أنا الفدية والقربان!''
عزيزة أمير، المؤتمر الأول للسينما المصرية 1936

قد يثير العنوان حفيظة من يقرأ لما فيه من تمييز إبداعي بين أعمال نسائية وأخرى ''رجالية''، وهو رفضٌ طبيعي إزاء إرث طويل من النظرة الدونية التي تقابل بها المرأة وبالتالي نتاجها· أما اليوم، فأعتقد أنني في هذا العنوان أنصفها لما لنتاجها من خصوصية شديدة وشفافية مميزة في خلق أجواء درامية خاصة· وأعتقد أن المبدعة العربية بعد سنوات ستطالب هي بفصل ''سينماها'' عن السينما الذكورية المختلفة، تخطيطاً وتنفيذاً!·
بدأت المرأة بالإخراج مع بداية السينما مع أليس غاي بلاشي التي أخرجت فيلمها عام ،1900 واستمر وجودها خلف الكاميرا ولكن ببطء وحالات فردية مثل المخرجة ليني ريفنستهل ودورثي آرزنر التي أخرجت فيلم ''الحفلة العريضة'' عام 1929؛ وحينما وصلت السينما ذروتها في الستينيات من القرن الماضي وأفرزت أعمالاً سينمائية ما زالت إلى اليوم تعد من الروائع، شهد العقد الذي تلاه ثورة في توجّه المرأة للإخراج والانزياح بالذائقة الدرامية نحو آفاق جديدة، حساسة وعالية التفرّد، فظهرت مخرجات متميزات جداً مثل إيلين ماي وجيليان آرمسترونغ وآمي هيكرلينغ ومارتا كوليدج ونورا ايفرون وكاثرين بيغيلو· واستمر هذا التراكم بتصدير مخرجات غاية في الأهمية ليصل إلى جيل منه تامرا دايفز وميرا ناير وجولي تايمور (فريدا) وسميرة مخملباف وصوفيا كوبولا وغيرهن·
وتزامن وقوف المرأة الغربية وراء الكاميرا في الغرب مع ظهور المخرجة العربية من خلال فيلم ''بنت النيل'' في العام 1929 ثم فيلم ''كفّري عن خطيئتك'' للمخرجة المصرية الرائدة عزيزة أمير، والتي كانت قد أنتجت قبل ذلك بعامين الفيلم الشهير (ليلى)؛ وبذلك بدأت رحلة الأفلام النسائية التي تعكس بصورة أشد تعبيراً حال المرأة على أرض الواقع، على أننا نجد أن أول فيلمين أخرجتهما وكتبتهما امرأة عربية انتهيا بانتحار البطلة آخر المطاف، كنوع من الاحتجاج المستسلم لظلامات اجتماعية· بعد عزيزة أمير تتالت الأسماء التي شاركت في صناعة السينما العربية إنتاجاً ونصاً وإخراجاً، كأمينة محمد، وبهيجة حافظ، صاحبة فيلم ''الضحايا''، وفاطمة رشدي مخرجة فيلم ''الزواج'' (تموت البطلة فيه انتحاراً أيضاً)، من دون أن ننسى الدور الكبير للمنتجة آسيا داغر والتي دفعت بالسينما العربية نحو الأمام في أفلامٍ مهمة ذات إنتاجٍ ضخم مثل ''الناصر صلاح الدين'' و''ردّ قلبي''·
ومع بداية الثمانينيات خرجت المرأة تقريباً من صورة المهزومة والضعيفة على يد عددٍ من المخرجات اللاتي ناصرنَ قضاياها مثل أسماء البكري ونادية سالم ونادية حمزة التي حملت أفلامها عناوين نسائيةً بامتياز مثل: ''نساء خلف القضبان'' و''حقد المرأة'' و''امرأة للأسف'' و''نساء ضد القانون''، وإيناس الدغيدي التي حطمت العديد من التابوهات المسكوت عنها في السينما العربية، ونالت عن فيلمها ''دانتيلا'' جائزة من مهرجان كوريا الشمالية· وصولاً اليوم إلى ساندرا نشأت المختلفة نكهة وتكويناً بدايةً من فيلمها ''مبروك وبلبل'' الذي نالت من خلاله جائزة أفضل إخراج في مهرجان الاسكندرية، إلى ''ملاكي اسكندرية'' و''الرهينة''، وهالة خليل صاحبة فيلم ''قص ولصق''·
وبالتوازي مع تقديم المرأة العربية أفلاماً جماهيرية، كان هنالك نساء يقدمن سينما مختلفة عن سينما دور العرض أو السينما الشعبية، في لبنان والمغرب وتونس وسوريا وفلسطين ومصر والجزائر، من أفلامٍ قصيرة ووثائقية وتسجيلية وأفلام درامية نخبوية، تعكس وجهة نظر حساسة جداً إزاء العديد من الأمور المصيرية كالحروب والسياسات والقوانين من دون إغفال هموم المرأة المزمنة؛ فمن المغرب ظهرت العديد من الأسماء اللامعة مثل فريدة بليزيد صاحبة ''كيد النساء'' و''باب السما مفتوح'' ونرجس النجار مخرجة ''السماء السابعة'' و''العيون الجافة'' وإيمان المصباحي صاحبة ''جنة الفقراء'' وفاطمة جبلي الوزاني في ''بيت أبي'' وياسمين قصاري في ''ليندا ونادية'' وهناك ليلى المراكشي صاحبة فيلم ''200 درهم'' وفريدة بورقية مخرجة'' الجمرة ''·
وفي الجزائر وتونس احتلّ الهمّ الإنساني والاجتماعي أعمال المخرجات فقدمت حفصة زينات ''الشيطان امرأة'' ورشيدة كريم ''تحت أقدام النساء'' وأمينة الشويخ ''رشيدة'' وآسيا جبار ''نوبة نساء جبل شنوة''· ومن تونس برزت رجاء العماري في ''الستار الأحمر'' وسلمى بكار في ''رقصة النار'' وكلثوم برناز في ''كسوف الخيط الضائع'' ومفيدة التلاتلي من خلال العديد من الأعمال مثل ''صمت الصقور'' ·
واحتلت الحرب والتهجير أولوية طرح مخرجات لبنان وفلسطين، وبرزت أفلام وثائقية وتسجيلية درامية في منتهى الأهمية، ففي لبنان قدمت جوانا حجي ''البيت الوردي'' وراندا الشهال صباغ ''شاشات الرمل'' و''طيارة من ورق'' وكريستين ديغي ''زينب والنهر'' وليلى عساف ''الشيخة'' وقدمت جوسلين صعب فيلمها الشهير ''غزل البنات''، كذلك كانت أفلام التهجير هاجس المخرجات الفلسطينيات كفيلم مي المصري ''أحلام المنفى'' وفيلم ''ياسمين تغني'' لنجوى نجار و''25 كلم'' للمخرجة ناهد عواد و''نساء في صراع'' لبثينة خوري و''ملوك وكومبارس'' لعزة الحسن و''مفتوح·· مغلق'' للكاتبة والمخرجة ليانة بدر·
كما برزت في مصر طروحات سينمائية مختلفة، قامت بها مجموعة من المخرجات، منهن: سعاد شوقي صاحبة فيلم ''ليلة'' وسلمى الترزي في ''انت عارف ليه'' وجيهان الأعصر في''الثلاثاء 29 فبراير'' ونوّارة مراد في ''ليل خارجي'' وكاملة أبو ذكري في ''نظرة للسماء'' وهالة لطفي في ''عن الشعور بالبرودة'' وهالة جلال ''دردشة نسائية'' ونيفين التوني بفيلمها ''رابطة المبدعين العرب''· بينما اكتفت السينما السورية بمخرجتين سينمائيتين، واحة الراهب صاحبة فيلم ''رؤى حالمة'' وهالا محمد مخرجة ''أدب السجون''·
أخيراً ولأن الدراما هي الحياة، فإن خصوصية الطرح الدرامي النسائي له نكهة مغايرة وإحساس مختلف، إذ أنها تحيل الأشياء ـ مهما قست ـ بمجرد لمسها إلى رؤى نبيلة وتصبغها بإنسانيةٍ فذة وتعالجها بشكل إستاتيكي (جمالي) عكس الرجل المولع بمعالجة قضاياه براغماتياً (الحقيقة بوصفها واقعاً)· كما أن عالم المرأة الجوّاني الثري ومعاناتها واضطهاد مجتمعاتها لها على أكثر من صعيد، فتح باب التفكير نحو نظرية سينما نسائية؛ على أنني مضطر لأن أقدم رأياً آخر مخالفاً لما أذهب إليه وأختتم به؛ تقول الأكاديمية والمخرجة الشهيرة توني مارشال: ''لا أعتقد أنه يمكن منح جنس لفيلم معين، لأن هناك العديد من الرجال الذين يتوافرون على جوانب أنثوية أكثر من الإناث، لهذا فلا أؤمن بوجود أفلام نسائية وأحذّر من أن تسقط المخرجات في هذا الفخ لأن في هذه المهن النساء محتاجات للذكور والعكس صحيح، فالسينما كانت دائما قضية زوايا ونظرات يتم تغذيتها بالحساسيات التي؟ ؟تؤثر في كل شخص، أما الحديث عن سينما نسائية أو ذكورية فيعني؟ ؟نسيان المهم وهو أن السينما هي فعل إبداعي تجديدي''·

هاني نديم
haninadeem@hotmail.com

اقرأ أيضا